استثمار تيمة الحلم في الأعمال الشعرية| مجد الدين سعودي

كاتب| مغربي
استهلال
الأحلام هي واحدة من أهم منابع الالهام الشعري، وأحسن مثال هو اعتماد المدرسة السريالية على الحلم والخيال معا ، فالسريالية مذهب أدبي يهدف الى التعبير عن الأحلام مستعملة العقل الباطن واثارة الخيال وأهم روادها: (سلفادور دالي، أندريه ماسون، أندريه بريتون، جيمس جويس، آراغون … )
يقول بابلو نيرودا: (من لا يركب المخاطر ليحقق الأحلام، يموت ببطء)، فإنسان بدون أحلام هو انسان ميت بدون طموح.

يمثل الحلم عند الشاعر أمل دنقل نقطة التقاء بين التراث والواقع المرير والمستقبل. كما استخدم الحلم للبحث عن التطهير والخلاص ومناشدة التغيير ورفض الاستبداد والظروف القاسية. يقول أمل دنقل:
( حلمت لحظة بكا
وجندك الشجعان يهتفون سيف الدولة
وأنت سيف تختفى فى هالة الغبار عند الجولة
ممتطيا جوادك الأشهب شاهرا حسامك الطويل المهلكا
تصرخ فى وجه جنود الروم
بصيحة الحرب فتسقط العيون فى الحلقوم
تخوض لا تبقى لهم إلى النجاة مسلكا
تهوى فلا غير الدماء والبكا
ثم تعود باسما…. ومنهكا
والصبية الصغار يهتفون فى حلب
يا منقذ العرب
يا منقذ العرب )

أما نازك الملائكة فالحلم عندها مرتبط بالابتعاد عن بؤس الواقع والتعبير عن الخيال والرومانسية، في قصيدة (تعال نحلم)، تقول:
(سنحلُمُ أنَّـا نسيرُ إلى الأمسِ لا للغَـدِ
وأنَّـا وصلنا إلى بابلٍ ذاتَ فجرٍ نَـدِ
حَبِيبَيْـنِ نَحْمِـلُ هـوانا إلى المَعْبَـدِ
يُبَارِكُنا كَاهِـنٌ بابلـيٌّ نَقِـيُّ اليَـدِ )
لكن بدر شاكر السياب استخدم الحلم كوسيلة للاحتجاج عن آلامه وأحلامه بالشفاء والعودة للوطن والتغني بقريته، يقول في قصيدته (مدينة السندباد):
(فآه يا مطر
نودّ لو ننام من جديد
نودّ لو نموت من جديد
فنومنا براعم انتباه
و موتنا يخبّئ الحياة
نود لو أعادنا الإله
إلى ضمير غيبة الملبّد العميق
نود لو سعى بنا الطريق
إلى الوراء حيث بدؤه البعيد)
بينما نلاحظ أن الحلم عند بابلو نيرودا ضروري للحياة، ولهذا تساءل: (ما هو الشعر إن لم يساعد على الأحلام؟)، بل يربط الحب بالأحلام، لأن الحب حسب تعبيره يمنح الانسان حياة ثانية مليئة بالأحلام.
يقول بابلو نيرودا في قصيدة الملكة:
(لقد أعلنتكِ ملكةً.
ثمة فتيات أطول منكِ.
وثمة فتيات أصفى منكِ.
وثمة فتيات أجمل منكِ.
ثمّة أجمل.
ولكنكِ أنتِ الملكة.
حين تخطرين في الطرقات
لا يتعرف عليكِ أحد.
لا أحد يرى تاجكِ البلّوري.
لا أحد يرى البساط الأحمر
الذي تخطرين عليه حين تمُرّين.
البساط الذي لا وجود له. )
أما محمود درويش فجعل من الحلم فضاءً واسعاً لاستدعاء الذكريات وتصوير حنينه للوطن وللقضية الفلسطينية. يقول محمود درويش في قصيدة (سأحلم):
(سأحلم
لا لأصلح أي معنى خارجي
بل كي أرمم داخلي المهجور
….
فالقلب يصدأ كالحديد
فلا يئن ولا يحن ولا يجن

سأحلم
لا لأصلح مركبات الريح
أو عطبا أصاب الروح

لكني سأحلم
ربما اتسعت بلاد لي، كما أنا
واحدا من أهل هذا البحر
كف عن السؤال)
أما شعراء الجاهلية، فقد وظفوا الأحلام لاستحضار خيال أو طيف المحبوبة أو التغني بأمجاد القبيلة وشرفها وخيلها وعزتها…
يقول الشاعر قيس بن ذريح:
(وإنّي لأهوى النَّوْمَ في غَيْرِ حِينِهِ لَعَلَّ لِقَاءً في المَنَامِ يَكُونُ
تُحَدِّثُني الأحلامُ أنِّي أراكم فيا لَيْتَ أحْلاَمَ المَنَامِ يَقِينُ) ..
أما عنترة بن شداد فيقول في قصيدة :
( أَتاني طَيفُ عَبلَةَ في المَنامِ
فَقَبَّلَني ثَلاثاً في اللَثامِ
وَوَدَّعَني فَأَودَعَني لَهيباً
أُسَتِّرُهُ وَيَشعُلُ في عِظامي)
يقول زهير بن أبي سلمى:
(تُذكِّرُني الأحلامُ ليلَى، ومَن تَطُف . . عليهِ خَيالاتُ الأحِبَّةِ يَحلُمِ)
خاتمة
لا يمكن الاستغناء عن الأحلام في الأدب والفن، فلا ابداع بدون أحلام، ف (الإنسان لا يعود إنسانا إذا مات في قلبه الحُلم. ) كما قال إبراهيم الكوني، ونتفق مع باولو كويلو وهو يقول: ( لا يستطيع الإنسان أن يكف عن الحلم).
مجدالدين سعودي. المغرب