
الخطاب الإعلامي في القنوات التلفزيونية بين صناعة الوعي والإثارة الجماهيرية|احمد بو سكرة
المنتخب الوطني بين
إدارة الأزمة وصناعة المستقبل
المقال (5)
الخطاب الإعلامي في القنوات التلفزيونية بين صناعة الوعي والإثارة الجماهيرية
بقلم الاستاذ الدكتور أحمد بوسكرة
استاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة مسيلة -الجزائر
لقد شكّل خروج المنتخب الوطني الجزائري من نهائيات كأس العالم 2026 محطة مفصلية في المشهد الرياضي الوطني، ليس فقط بسبب النتائج التي لم تكن في مستوى تطلعات الجماهير، ولا بسبب الأداء الفني الذي ظهر به المنتخب أو الخيارات التكتيكية التي اعتمدها الجهاز الفني، والتي أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الرياضية، وإنما أيضًا بسبب حجم الخطاب الإعلامي الذي رافق هذه المرحلة، سواء عبر القنوات التلفزيونية الخاصة أو منصات التواصل الاجتماعي.
وقد كان من الطبيعي أن تحظى هذه المشاركة باهتمام إعلامي واسع، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المنتخب الوطني في وجدان الجزائريين، وإلى الشعبية الكبيرة التي تحظى بها كرة القدم في المجتمع الجزائري.
لذلك خصصت العديد من القنوات التلفزيونية برامج يومية امتدت لساعات طويلة لتحليل أسباب الإخفاق واستشراف مستقبل المنتخب.
غير أن المتابعة الموضوعية لمضمون عدد من هذه البرامج تكشف أن جانبًا معتبرًا من الخطاب الإعلامي اتجه نحو الإثارة، والانفعال، والبحث عن السبق الإعلامي، وتداول معلومات منسوبة إلى “مصادر خاصة” أو “مصادر من داخل الاتحاد”، دون أن تكون مدعومة دائمًا بمعلومات رسمية موثقة. كما شهدت بعض البرامج تضاربًا في الروايات، وتبادلًا للاتهامات، وهيمنة للجدل أكثر من التحليل المؤسسي، الأمر الذي أبعد النقاش في كثير من الأحيان عن جوهر الأزمة وأسبابها الحقيقية.
ولا يقصد بهذا الطرح التقليل من أهمية الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام، أو التشكيك في مهنية الإعلاميين، وإنما الدعوة إلى قراءة علمية لطبيعة الخطاب الإعلامي في أوقات الأزمات.
فالإعلام الرياضي يحمل رسالة تربوية وثقافية ومجتمعية، ولا تقتصر وظيفته على نقل الأحداث، بل يمتد دوره إلى ترسيخ الثقة، ونشر ثقافة الحوار، وتعزيز الوعي بقضايا الحوكمة والإدارة الرياضية، والمساهمة في توجيه الرأي العام نحو فهم أعمق للتحديات التي تواجه الرياضة الوطنية.
ومن خلال متابعتي الشخصية للعديد من البرامج الرياضية التي أعقبت خروج المنتخب الوطني، لاحظت أن النقاش انصرف في كثير من الأحيان إلى الأشخاص، سواء تعلق الأمر باللاعبين، أو المدرب، أو رئيس الاتحاد، بينما غابت عن الطرح الإعلامي قضايا جوهرية، مثل الحوكمة الرياضية، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المخاطر، والاتصال المؤسسي، وآليات تقييم الأداء، وثقافة المساءلة. كما غاب في كثير من الأحيان حضور الباحثين وأساتذة الجامعات والمتخصصين في الإدارة الرياضية والقانون الرياضي وعلم النفس الرياضي، رغم أن مثل هذه الأزمات تحتاج إلى قراءات علمية متعددة التخصصات تسهم في فهمها واقتراح الحلول المناسبة لها.
ولا يمكن، في المقابل، تحميل الإعلام وحده مسؤولية هذا الواقع، لأن ضعف الاتصال المؤسسي داخل الاتحاد الجزائري لكرة القدم، وتأخر المعلومة الرسمية، أو غيابها في بعض الأحيان، يفتح المجال أمام الاجتهادات والتأويلات والشائعات. فكلما غابت المعلومة الدقيقة، اتسعت مساحة الأخبار غير المؤكدة، وأصبح الرأي العام أكثر عرضة للتضارب وفقدان الثقة.
إن المنتخب الوطني ليس ملكًا لجيل أو إدارة أو مدرب، بل هو مشروع وطني يجسد طموحات ملايين الجزائريين. ومن ثم، فإن مسؤولية الحفاظ عليه لا تقع على عاتق اللاعبين والجهاز الفني والاتحاد وحدهم، بل تمتد أيضًا إلى الإعلام الرياضي، الذي يملك القدرة على صناعة الوعي، وتعزيز الثقة، وتوجيه الرأي العام نحو ثقافة الإصلاح بدل ثقافة الاتهام.
- إن صناعة مستقبل المنتخب الوطني تبدأ ببناء مؤسسات رياضية قوية، واتصال مؤسسي فعال، وإعلام مسؤول يدرك أن رسالته لا تنتهي عند نقل الخبر أو إثارة الجدل، بل تبدأ من تقديم المعرفة، وإضاءة الطريق أمام المجتمع، وتحويل الأزمات إلى فرص للتعلم والإصلاح. فالإعلام الذي يصنع الوعي هو شريك في صناعة الإنجاز، أما الإعلام الذي يكتفي بالإثارة، فإنه مهما ارتفعت نسب متابعته، يبقى بعيدًا عن أداء رسالته التنموية التي تحتاج إليها الرياضة الجزائرية اليوم أكثر من أي وقت مضى.






