
قراءة نقدية لنص (خطاب الدائرة) للشاعر كاظم أحمد| فداء أحمد
دكتورة وناقدة أكاديمية _الأردن
القراءة
كيف يمكن لحروفٍ قليلة أن تفتح دوائر واسعة من التأمل؟ وكيف يتحول النص القصير إلى مرآة يرى فيها الإنسان تناقضاته وخفاياه؟ منذ العنوان “خطاب الدائرة” أشعر أنك لا تقدم خطابًا عابرًا، بل تدعونا إلى الدخول في دائرة من الأسئلة التي تبدأ من الضوء وتنتهي عند عتمة النفس البشرية.
أنت تبني النص على لغة رمزية كثيفة، تجعل القارئ لا يكتفي بالقراءة الأولى، بل يبحث عمّا وراء الصور. فـ “وميض الماس” في البداية يوحي بالبريق والوضوح، لكنه سرعان ما يدخل في فضاء أكثر تعقيدًا؛ حيث تختلط الرؤية بالوهم، والصدق بالرياء، والظاهر بما يخفيه الداخل. وكأن الدائرة التي تشير إليها هي دورة الإنسان بين الحقيقة والقناع.
توقفت عند قولك: “قالوا: حليبًا أضحى الصدق والرياء”، فهذه الصورة تحمل مفارقة لافتة؛ إذ إن الحليب رمز للنقاء والبداية، لكنك تقلبه إلى مساحة تختلط فيها القيم، فيصبح الصدق والرياء في وعاء واحد، ثم تأتي صورة “الزبد” لتشير إلى ما يطفو ويظهر، بينما يبقى الجوهر في الأعماق. إنها قراءة دقيقة لطبيعة الأشياء؛ فليس كل ما يعلو يحمل قيمة، وليس كل ما يلمع حقيقة.
كما أن حضور البحر والأمواج في النص جاء موفقًا؛ فالكذب عندك ليس ثابتًا، بل شيء يتقاذفه التيار، يظهر حينًا ويختفي حينًا، لكنه لا يستطيع أن يستقر. أما عبارة “مع كل ريحٍ يطفو” فتحمل معنى عميقًا عن هشاشة الزيف مهما طال بقاؤه.
لغتك تعتمد على التكثيف والإيحاء، وتقترب من الشعر الذي يترك مساحة للقارئ كي يشارك في صناعة المعنى. وهذا النوع من الكتابة يحتاج إلى قارئ يتأنى، لأن الصورة عندك ليست نافذة مفتوحة تمامًا، بل باب موارب يدعو إلى الاكتشاف.
وأجمل ما في النص أنه لا يكتفي بكشف الخلل خارج الإنسان، بل يعيد السؤال إليه: “ماذا حلّ بالإنسان؟” وكأن القضية الكبرى ليست في الكذب وحده، بل في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان بوصلته الداخلية.
لقد كتبت نصًا يشبه الدائرة فعلًا؛ يبدأ بالوميض وينتهي بالتنبيه، يمرّ بين الحيرة والانكشاف، ويترك القارئ أمام مرآته الخاصة. فالكلمة هنا ليست مجرد وصفٍ للعالم، بل محاولة لإيقاظ الإنسان قبل أن يفوته أوان الرجوع.
النص:
خطاب الدائرة
أرخى سدولَ وميضِ ماسِه
وزّعَ بتساوٍّ أرضى الجميعَ
قالوا : كيف له هذا من بعيد ؟
وحدها لاتغيب و إن غرقت بالنبيذ
سرق النومَ من جفون الحبيب
رغم السهادِ تَنابذَ الرمشان
سحر مطَّ الخيال على أريكة النسيان
أيقظ الإحساسَ الموغلَ بالغياب
ازداد التساؤل ماذا حَلَّ بالإنسان؟
قالوا: حليبا أضحى الصدق والرياء
كان زبدٌ حيضَ الرجال
سُرعانَ على الوجه بان
مع كلِّ ريحٍ يطفو
تتقاذفه الأمواج
قالوا: حبلا قصيرا
لكن في العقل ثمّ ضجيج
طَرْقُ الكَذبِ دامَ لمزيد
أضتِ اللقمةُ دمَ عبيط
عِ وَ قِ النفس قبل فَواتِ الآوان
كاظم احمد احمد-سورية






