
اسمعوا ..واعوا..!|محمد المحسن
كاتب |تونسي
اسمعوا.. وعوا..!
الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال مخاطبا الإسرائيليين: واصلوا التحلي بالشجاعة كما كنتم دائما..
في زمنٍ تتكالب فيه الجراح على الأمة العربية، وتتحول فيه فلسطين إلى عنوان يومي للدم والخراب والاقتلاع،يخرج الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال ليعلن،من على منابر الإعلام الإسرائيلي،أن دعمه لإسرائيل كان السبب الحقيقي وراء سجنه،وأن “صداقته” مع دولة قامت على أنقاض شعب بأكمله تمثل بالنسبة إليه موقفا أخلاقيا وإنسانيا.!
غير أن المسألة،في جوهرها،تتجاوز حدود الاختلاف السياسي أو الفكري،لتلامس سؤالا أكثر عمقا: كيف يمكن لكاتب نشأ في أرض دفعت ملايين الشهداء ثمنا لحريتها أن يقف،دون تردد، إلى جانب قوة ما زالت تُتهم بارتكاب المجازر وتهجير المدنيين وسلب الأرض؟
لقد اختار صنصال أن يتحدث إلى إذاعة إسرائيلية،وأن يقدم نفسه بوصفه ضحية لأنظمة القمع،لكنه في المقابل تجاهل آلام الفلسطينيين الممتدة منذ عقود،وغضّ الطرف عن صور الأطفال الذين يسقطون تحت القصف،وعن القرى التي تُهدم،وعن شعب ما زال يبحث عن وطن يحمي ذاكرته وكرامته.
إن الكاتب الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرته على إثارة الجدل أو صناعة الصدمة،بل بمدى انحيازه للقيم الإنسانية والعدالة والحرية للجميع،لا لفئة دون أخرى.فالحرية التي تُجزأ تفقد معناها، والإنسانية التي تنتقي ضحاياها تتحول إلى شعار فارغ لا يحمل من الأخلاق إلا الاسم.
ولئن كان من حق أي مفكر أن يعتنق ما يشاء من مواقف،فإن من حق الشعوب أيضا أن تُخضع تلك المواقف للنقد والمساءلة،خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا ترتبط بالاستعمار والاحتلال وحقوق الإنسان.فالدفاع عن حرية التعبير لا يعني بالضرورة منح الشرعية لكل خطاب،كما أن الاختلاف الفكري لا يعفي صاحبه من المسؤولية الأخلاقية تجاه المظلومين.
إننا،ونحن نقرأ تصريحات بوعلام صنصال،نعلن بوضوح أننا نتبرأ من كل خطاب يبرر الاحتلال أو يتجاهل معاناة الشعوب الواقعة تحت القهر، ونؤكد أن الكلمة الحرة لا تكون حرة حقا إلا إذا انتصرت للعدالة والكرامة الإنسانية.أما الأقلام التي تختار الاصطفاف إلى جانب القوة على حساب الحق،فإن التاريخ سيترك لها مكانا في هامشه المظلم،بينما تبقى فلسطين قضية ضمير لا تسقط بالتقادم ولا تخضع للمساومة.
قد يختلف الناس في الآراء والمواقف،لكنّ التاريخ لا يرحم أولئك الذين يساومون على آلام الشعوب وحقوقها.فالكلمة أمانة،والقلم موقف،والمثقف الحقيقي لا يكون شاهد زور على المآسي ولا بوقا لمنطق القوة والاحتلال.
ومن هنا،فإننا نتبرأ من كل خطاب يتنكر لدماء الأبرياء ويقف في الضفة المقابلة للعدالة والحرية، لأن الأوطان تُبنى بالمواقف النبيلة،أما الخيانة فلا تخلّف وراءها سوى العار وصمت الضمير.
متابعة محمد المحسن
-تنويه واعتذار
إلى متابعيّ وقرّائي الكرام:
أتقدّم إليكم باعتذار صادق على نشر صورة تجمعني بالكاتب بوعلام صنصال،إذ لم يكن القصد من ذلك بأي حال من الأحوال الترويج لأفكاره أو الاصطفاف إلى جانب مواقفه المثيرة للجدل،بل جاء في سياق تناول موضوع فكري وسياسي للنقاش والنقد.
وأدرك اليوم أن نشر تلك الصورة قد يُفهم على نحو مغاير،أو قد يُوحي للبعض بأنها محاولة لجذب الانتباه وإثارة التفاعل بين متابعيّ الأعزاء، وهو أمر أرفضه تماما،وأعتذر عنه بكل احترام.
إن موقفي المبدئي والثابت من القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية،لا يقبل المساومة أو التأويل،كما أنني أؤمن بأن الصورة، مثل الكلمة،تحمل رسائل ودلالات قد تتجاوز نية صاحبها.
لذلك،أجدّد اعتذاري لكل من شعر بالاستياء أو خاب ظنه بسبب نشر تلك الصورة،مؤكدا أن قلمي سيظل منحازا إلى قيم الحرية والعدالة وكرامة الشعوب،بعيدا عن كل ما يمكن أن يُفهم على أنه تبرير للاحتلال أو تزييف للوعي.








