ما أشدَّ غفلة الإنسان حين يظنُّ أن العمر يمتدُّ أمامه بلا نهاية، وأن الغد مضمونٌ كما كان الأمس، فيؤجِّل أحلامه، ويؤخِّر توبته، ويؤجل كلمة الاعتذار، ويؤخر فعل الخير، ناسياً أن الموت لا يستأذن، ولا يطرق الأبواب قبل قدومه، ولا يمنح أحدًا فرصةً أخيرة ليُعيد ترتيب ما أفسده الزمن.
الموت حقيقةٌ كبرى، وسنّةٌ ربانيةٌ ماضية، كتبها الله على جميع خلقه، فلا ينجو منها ملكٌ بسلطانه، ولا غنيٌّ بماله، ولا شابٌّ بقوته، ولا عالمٌ بعلمه. إنه الزائر الذي لا يتأخر عن موعده، فإذا جاء الأجل، صمتت الألسنة، وسكنت الأنفاس، وانطفأت الأحلام، وأصبح الإنسان خبرًا بعد أن كان حاضرًا، وذكرى بعد أن كان ملء السمع والبصر.
وليس الحديث عن الموت دعوةً إلى التشاؤم أو الانزواء، بل هو دعوةٌ إلى حياةٍ أكثر صدقًا ونبلًا. فمن أيقن أن رحيله قد يكون في أي لحظة، حرص على أن تكون كلماته طيبة، وأعماله صالحة، ويده ممدودةً بالعطاء، وقلبه عامرًا بالمحبة، ولسانه رطبًا بذكر الله. إن استحضار حقيقة الموت يجعل الإنسان أكثر تواضعًا، وأقل تعلقًا بزخارف الدنيا، وأكثر استعدادًا للقاء ربه.
كم من إنسانٍ خرج من بيته يودّع أهله على أمل العودة، فلم يعد إلا محمولًا على الأكتاف. وكم من مشروعٍ عظيمٍ توقّف قبل اكتماله، لأن صاحبه سبقته المنية. وكم من كلمة اعتذارٍ تأخرت حتى أصبح الاعتذار مستحيلًا، وكم من فرصةٍ لفعل الخير ضاعت بسبب التسويف، حتى باغت الموت صاحبها قبل أن يمد يده إليها.
إن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس الأموال ولا العقارات ولا المناصب، وإنما الأثر الطيب الذي يبقى في القلوب، والعمل الصالح الذي يرفعه الله، والدعاء الصادق الذي يجري على ألسنة المحبين. فالحياة ليست بطول السنين، وإنما بما يملؤها من خيرٍ وإحسان، وما يتركه المرء من ذكرٍ حسنٍ وسيرةٍ عطرة.
فلنجعل من يقيننا بأن الموت لا ينذر أحدًا دافعًا إلى اغتنام العمر، وإصلاح النفس، والإحسان إلى الخلق، والتوبة قبل فوات الأوان. فالدنيا مهما طالت قصيرة، والعمر مهما امتد محدود، والسعيد من استعد ليومٍ لا ينفع فيه إلا العمل الصالح.
ولعل أجمل ما يختتم به الحديث أن الإنسان لا يملك أن يختار ساعة رحيله، لكنه يملك أن يختار كيف يعيش، وماذا يزرع في أيامه، وما الأثر الذي يتركه بعد غيابه. فإذا جاء الموت، وجد صحيفةً امتلأت بالخير، وقلوبًا تلهج له بالدعاء، وذكرًا حسنًا يبقى شاهدًا على أن الحياة الحقيقية ليست في طول البقاء، وإنما في حسن العطاء.إ