التويزة|الدكتورة نور الهدى قرباز

 أكاديمية– جامعة بسكرة00

“يا بنيتي… العرس ما كانش يبدأ يوم تدخل العروس إلى بيتها، العرس كان يبدأ يوم تفتح القلوب أبوابها.”
كانت عمتي فطيمة، رحمها الله، تقولها وهي تسترجع زمنًا لم يكن الفرح فيه موعدًا محددًا في ورقة، ولا ساعات محسوبة تنتهي بانتهاء الموسيقى، وإنما كان أيامًا كاملة تعيشها القرية بروح واحدة. كانت تحكي، فننسى أننا نستمع إلى حكاية قديمة، لأن صوتها كان يعيد إلينا خطوات النساء في الساحة، ورائحة الخبز فوق الطاجين، وضحكات الأطفال وهم يركضون بين البيوت.

كان ثاني عرس لابن جدي الصحراوي من تلك الأفراح التي لا تشبه غيرها، فقد اجتمع معه ختان ابن عمي، فتحول البيت إلى خلية من المحبة والحركة. لم يكن أحد ينتظر دعوة، فالخبر كان يسافر وحده؛ في السوق، وعند العين، وفي الحقول، وفي الطريق، وعلى متن الحافلة التي كانت تربط الناس ببعضهم. يكفي أن يقول رجل: “هناك فرح عند أولاد الحاج”، حتى يشعر السامع أنه مدعو بقلبه قبل أن يكون مدعوًا باسمه.

كانت قطعة القماش الحمراء فوق الباب إعلانًا صامتًا، يفهمه الجميع. ذلك البيت أصبح بيتًا للناس، لا يُسأل القادم إليه من أين جاء، ولا من دعاه، لأن الدعوة كانت هي المحبة.

وكانت عمتي فطيمة روح ذلك البيت. امرأة لم تنجب أبناءً، لكن الله منحها قلوبًا كثيرة تحبها. كانت تعرف تفاصيل العمل كلها؛ عدد الضيوف، كمية الطعام، ترتيب النساء، ومتى تحتاج إحداهن إلى الراحة. لم تكن ترفع صوتها، لكن حضورها كان يكفي ليجعل كل شيء يسير كما ينبغي.

وكانت إلى جانبها عمتي زهرة، رفيقة عمرها وابنة عمها، أطال الله في عمرها، امرأة من طينة النساء اللواتي لا يتكرر حضورهن. كانت سيدة منظمة، ذكية، تعرف أسرار البيت والعمل. تتحرك بين الناس بهدوء، ترى النقص قبل أن يظهر، وتضع كل شيء في مكانه قبل أن يطلبه أحد.
إذا انشغلت عمتي فطيمة بالنساء، كانت زهرة تتابع القدور.

إذا امتلأت الساحة بالضيوف، رتبت الحصر والمجالس.
إذا احتاجت العروس إلى شيء، كانت أول من ينتبه.
كانت تفهم في كل شيء، وكأنها تحمل خريطة البيت في قلبها. لم تكن تساعد فقط، كانت تسند، وكان وجودها يجعل التعب أخف.

وكانت أخت جدي الثانية، رحمها الله، تأتي من بيت زوجها في المواسم والأفراح، تقف معهن وتشاركهن العمل، حتى غيبها الموت. فحملت عمتي فطيمة ما تركته من حب، وحرصت أن يبقى ذلك الإرث حيًا.

لذلك أخذت سعيدة، ابنة أختها الوحيدة، إلى جوارها، وعلمتها كل ما تعرفه أمها. علمتها فتل الكسكسي، وإعداد العولة، وترتيب الولائم، وحسن استقبال الضيف. كانت تريدها أن تكون امتدادًا لامرأة غابت، لكنها بقيت حاضرة في كل حركة وذكرى.كانت عمتي فطيمة القلب الذي يجمع الجميع، وكانت عمتي الزهرة اليد التي تجعل كل شيء يسير في مكانه.

وكانت عمتي فطيمة تحب أن تضحك وتمازح النساء، فتقول عن بعضهن ممن يعشقن الزينة أكثر من العمل: “هذه تحب الكحل والحناء والمسواك، وتعيد اخضرار وشامها، وتلبس أجمل ثيابها، لكنها إذا جاء وقت خدمة الدار اختفت!”
ثم تضحك وتقول بلهجتها المحببة: “لبس الخنفساء تطلعك لالات النساء!”

فتنفجر النساء بالضحك، لأن الجميع يعرف تلك الشخصية التي تهتم بزينتها قبل قصعتها، وتحب أن تظهر بأجمل صورة وهي لا تعرف أين وُضع الغربال أو كيف يُشعل الموقد. كانت عمتي تقولها بمحبة لا بسخرية، فالضحك في تلك الأيام كان جزءًا من التويزة، وكان يخفف التعب ويجعل الساعات الطويلة تمر كأنها لحظات.
ثم تبدأ التويزة…
كانت الساحة تمتلئ بالنساء منذ الصباح. هذه تحمل قصعة، وتلك تحمل غربالًا، وأخرى تحمل السميد، وبعضهن يأتين بأيدٍ فقط، لأن اليد التي تعمل كانت أغلى من كل شيء.

تجلس النساء في حلقات، وتبدأ الأصابع في فتل الكسكسي. حبات صغيرة تتشكل بين الكفوف، لكنها كانت تحمل معنى كبيرًا؛ كانت تحمل صبر النساء، ودفء البيوت، وذاكرة الأمهات.

لم تكن العولة مجرد طعام، كانت موسمًا من التعاون. كانت النساء يفتلن الكسكسي، ويعدن الفريك والمرمز، ويحضرن ما يكفي للفرح ولأيام الشتاء.

وكانت الموائد تعرف طعم الأرض. الفاكهة تأتي من البساتين، لا من الأسواق؛ ما تجود به الأشجار يصل إلى البيت. التمر من النخيل، والقمح من الحقول، ومنه تُصنع الطمينة التي تفوح منها رائحة الدفء والكرم.

وكانت عمتي زهرة تعرف سرها؛ تطحن القمح بعناية، وتخلطه بالزبدة والعسل أو ما توفر من خير البيت، فتخرج الطمينة كأنها قطعة من ذاكرة الطفولة، طعمها ليس في مكوناتها فقط، وإنما في اليد التي صنعتها.
ولم تكن البيوت تحتاج إلى الثلاجات كما اليوم. كانت قربة الماء المعلقة في مكان ظليل تحفظ الماء ببرودته الطبيعية. كانت القربة المصنوعة من الجلد تحمل ماءً له طعم مختلف، ماءً باردًا منعشًا، يشرب منه الناس بعد التعب فيحمدون الله على نعمة بسيطة لكنها عظيمة.

وكانت الشكوة حاضرة في البيوت، تحفظ اللبن وتمنحه نكهته الخاصة، معلقة في مكانها كأنها جزء من روح الدار. لم تكن الأشياء كثيرة، لكنها كانت تحمل حياة كاملة.
وفي الجهة الأخرى من البيت، كان الرجال يستعدون. تُذبح الأغنام، ويُجمع الحطب، وتوضع القدور الكبيرة فوق النار. ثم يأتي صوت الرحّابة، فتتغير ملامح الليل.

يصطف الرجال، تتقارب الأكتاف، وترتفع الأصوات بالأهازيج. لم تكن الرحّابة تجارة، ولم تكن تنتظر مقابلًا. كانوا يأتون لأن الفرح يعنيهم، لأن صوتهم جزء من البركة. يمتد الغناء حتى ساعات متأخرة، وربما حتى الفجر، والناس لا يشعرون بالوقت، لأن أجمل الأوقات هي التي لا نريد لها نهاية.

وكان عمي عمار يزيد الفرح هيبة بصوت البارود. ما إن ينطلق صوته في السماء حتى تعرف القرية أن هناك مناسبة كبيرة. كان ذلك الصوت يعلن الفرح، يوقظ الجدران، ويجعل الأطفال يركضون نحو المشهد بعيون واسعة من الدهشة.

ثم تأتي العمارة…
قفة تنسجها النساء بأيديهن، تحمل السكر والقهوة والشاي والحناء والحلوى، وربما قطعة قماش للعروس. لم تكن قيمتها فيما بداخلها، وإنما في اليد التي صنعتها والقلب الذي حملها.

ويأتي يوم الزفاف…
تخرج العروس في لباسها التقليدي، تحمل جهازًا صنعته الأيدي بالصبر؛ زرابي، ولحافًا، وقدورًا، وقصعة، ورحى، وشكوة، ومغزلًا. كانت تدخل بيت زوجها وهي تحمل خبرة النساء قبل أن تحمل الأشياء.
وكانت الزفة مشهدًا لا ينسى. تمضي العروس وسط الدعوات، وتتعالى الزغاريد، ويعلو صوت الرحّابة، ويطلق البارود في السماء، وكأن الأرض كلها تحتفل معها.
لكن أجمل ما في تلك الأفراح أنها لم تكن تنتهي بانتهاء الوليمة.

كانت عمتي فطيمة تقول: “لا تتركوا نعمة الله.”
فيُقسم الطعام.
هذا للأرملة.
وهذا للمريض.
وهذا للشيخ الكبير.
وهذا لمن لم يستطع الحضور.
ويحمل الأطفال الصحون بين الأزقة، يطرقون الأبواب وهم يقولون: “هذا من فرح أولاد الحاج.”
كان الطعام يحمل فرحًا قبل أن يحمل شبعًا.
اليوم تغيرت أشياء كثيرة، وتبدلت صور كثيرة من الحياة، لكن ذاكرة تلك الأيام بقيت تقول لنا إن الإنسان كان أغنى عندما كان يملك الناس حوله، وأن أجمل الأعراس لم تكن التي تضيء بالأنوار، وإنما التي تضيء القلوب.

جحشنةرحم الله عمتي فطيمة، وحفظ الله عمتي زهرة وأطال الله في عمرها، ورحم كل النساء والرجال الذين صنعوا تلك الأيام الجميلة. لقد تركوا لنا درسًا لا يشيخ: أن البيوت لا تحفظها الجدران، وإنما تحفظها الأيدي التي تتعاون، والقلوب التي تفرح لغيرها، والرحمة التي تجعل من عرس واحد فرحًا لقرية كاملة.فالبيوت قد تُبنى بالحجارة، لكن الدفء الذي يسكنها تصنعه الأيدي المتحابة… وتصنعه أيام كان الفرح يمشي بين الناس حافي القدمين، ويحمل في يده خبزًا، وفي قلبه ألف دعاء.