
حين يحمل الابن امه..ويهاجر بوطن كامل على ظهره..! الصورة التي هزت الضمير الإنساني|محمد المحسن
كاتب | تونسي
لم تكن تلك الصورة المتداولة لشابٍّ مغربي يحمل أمَّه على ظهره في طريقه نحو سبتة الإسبانية مجرّد لقطة عابرة التقطتها عدسة هاتف وسط فوضى الهجرة الجماعية،بل كانت اختزالا موجعا لحكاية شعبٍ بأكمله،ولصرخة جيلٍ أنهكته البطالة وضاقت به السبل حتى صار البحر أرحم من اليابسة.!
في تلك اللحظة،لم يكن الشاب يحمل جسد أمّه فقط،بل كان يحمل سنوات طويلة من التعب والحرمان والانتظار،ويحمل فوق كتفيه ذكريات الطفولة،ورائحة البيت البسيط،ووصايا الأم التي ربّته على الصبر والكفاح.
كان يمضي نحو المجهول،لكنّه رفض أن يترك والدته خلفه،وكأنّه يقول للعالم إن الفقر قد يسلب الإنسان وطنه،لكنّه لا يستطيع أن ينتزع من قلبه برَّ الوالدين.
إنّ مأساة آلاف الشباب المغاربة الذين اندفعوا نحو سبتة ليست مجرّد أزمة حدود أو موجة هجرة عابرة،بل هي مأساة إنسانية عميقة تكشف حجم اليأس الذي استوطن النفوس.
شباب لم يعد يحلم بالثراء ولا بالترف،بل بحياة كريمة،وفرصة عمل،وسقف يحمي أسرته من قسوة الأيام.وحين يصل الإنسان إلى مرحلة يفضّل فيها ركوب البحر والمخاطرة بحياته،فإنّ ذلك يعني أنّ شيئا ما قد انكسر في داخله.
ومع ذلك،وسط هذا المشهد المأساوي،تبرز صورة الابن الحامل لأمّه كوميض إنساني نادر،فبين أمواج الخوف والضياع،ظلّ الوفاء منتصبا.
لقد اختار أن يحمل أمّه بدل أن يحمل حقيبة، وأن ينجو بها قبل أن يفكّر في نجاته،وكأنّ البرّ بالوالدين كان آخر ما تبقّى له من يقين في عالمٍ ينهار من حوله.
تلك الصورة ليست صورة مهاجر فحسب،بل صورة ابن يحمل وطنا مثقلا بالخيبات على ظهره،ويسير به نحو أفق مجهول،فيما تبقى الأم،في كلّ الأزمنة والأمكنة،آخر ما يتمسّك به الإنسان حين تضيق به الأرض وتتسع المنافي.
في تلك الصورة،لم يكن الابن يحمل أمَّه فوق ظهره فحسب،بل كان يحمل وطنا مثقلا بالفقر والخذلان والأحلام المؤجَّلة.
وبين قسوة الهجرة ودفء البرّ بالوالدين،انتصرت الإنسانية للحظة،فأثبت ذلك الشاب أن الأوطان قد تضيق بأبنائها،لكن قلب الابن يظلّ واسعا بما يكفي ليحمل أمَّه والعالم بأسره.!








