وجه الحقيقة (اسامة داؤود ..بين المال والسياسة)|إبراهيم شقلاوي

كاتب |سودان

أثار لقاء رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس برجل الأعمال أسامة داؤود الخميس، جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، كما كشف أزمة كبيرة في الخطاب الوطني، تتمثل في الخلط بين حسابات السياسة وضرورات الاقتصاد، وبين مساءلة المسؤولين وتقييم المستثمرين. فبدل أن ينصرف النقاش إلى قضايا الإنتاج والتنمية، تحول إلى محاكمة النوايا والولاءات، وكأن أزمة السودان اليوم ليست في الاقتصاد المنهك، بل في تصنيف رجال الأعمال سياسيًا.

أحاطت بأسامة داؤود على مدى سنوات، اتهامات وشبهات تتعلق بطبيعة شبكة علاقاته ومصادر نفوذه الاقتصادي، كما تداولت بعض المنصات مزاعم عن ارتباطه بدوائر نفوذ دولية، غير أن هذه الادعاءات لم تُدعَّم بأدلة موثقة أو أحكام قضائية، وهو ما يجعلها في إطار الجدل العام.

لكن القضية في تقديري، ليست أسامة داؤود، وإنما الطريقة التي تنظر بها الدولة والمجتمع إلى رأس المال الوطني. فالدول الخارجة من الحروب لا تواجه فقط تحدي إعادة بناء  الطرق والمصانع، وإنما تواجه تحديًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في إعادة بناء الثقة بين الدولة ورأس المال، وبين السياسة والاقتصاد. وهذه الثقة هي الوقود الحقيقي لمشروع التعافي الوطني.

أنتجت الحرب في بلادنا اقتصادًا تحكمه ضرورات الأمن ، لكن الخطر الحقيقي أن تستمر عقلية الحرب في إدارة مرحلة التعافي، فتُقاس المواقف بالانتماءات. ففي زمن الحرب يكون السؤال: من يقف مع من؟ أما زمن البناء فيفرض سؤالًا أهم: من يعمل؟ ومن يستثمر؟ ومن يخلق فرص العمل؟ فالدول التي خرجت من الحروب لم تنهض بالخصومات، بل بفتح الطريق أمام الاستثمار، وتشجيع الإنتاج.

ومن هنا تبدو حملة الهجوم على أسامة داؤود تعبيرًا عن إرباك سياسي. فالرجل لم يطرح نفسه يومًا بوصفه قائدًا سياسيًا أو زعيمًا حزبيًا حتى يُطالب بتقديم كشف حساب عن مواقفه. إنه رجل أعمال، والمعيار الذي ينبغي أن يخضع له هو مقدار ما يضيفه للاقتصاد الوطني من إنتاج واستثمار وفرص عمل، ومدى التزامه بالقانون، لا حجم الروايات التي تُنسج حوله أو التصورات التي تُبنى على الظنون.

وليس دفاعًا عن شخص، وإنما دفاعًا عن مبدأ، فإن تحويل المستثمر إلى متهم سياسي لمجرد أنه يمتلك شبكة مصالح إقليمية أو دولية يكشف سوء فهم لطبيعة الاقتصاد الحديث. فرأس المال، في كل دول العالم، يتحرك عبر الأسواق، ويقيم شراكاته وفق اعتبارات اقتصادية، لا وفق خرائط الاصطفاف السياسي. ولو أصبحت العلاقات التجارية الخارجية معيارًا لإدانة المستثمرين، لتوقفت حركة الاستثمار العالمي، ولما بقيت دولة قادرة على جذب رؤوس الأموال أو الاحتفاظ بها لدعم الاقتصاد .

إن محاولة ابتزاز أي رجل أعمال بسبب شراكاته في دولة الإمارات أو غيرها لا تضر بالرجل وحده، بل ترسل رسالة سلبية إلى كل مستثمر سوداني في الداخل والخارج مفادها أن رأس المال قد يصبح في أي لحظة موضوعًا لمحاكمة سياسية، لا بسبب مخالفة للقانون، وإنما بسبب تأويلات لا تستند إلى بينة قانونية. وهذه ليست بيئة تُشجع الاستثمار، بل بيئة تُنتج الخوف والتردد وهروب رأس المال المحلي والأجنبي.

ورغم الجدل حول الرجل، تبقى الوقائع الاقتصادية حاضرة، فقد حافظت مجموعة دال، خلال الحرب، على جانب من نشاطها التجاري وأسهمت في دعم الأمن الغذائي. لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما هو أبعد: استعادة ثقة رأس المال الوطني وجذب الاستثمار الأجنبي نحو الإنتاج والبنية التحتية. وهذا لا يتحقق بمنطق المزايدات أو المقاصل السياسية، بل بدولة قانون توفر بيئة مستقرة، فرأس المال لا يبحث عن التصفيق ولا يخشى المنافسة، لكنه يهرب من الشك ويستقر حيث القانون والثقة.

أما الصحافة فإن مسؤوليتها في هذه المرحلة لا تقل أهمية. فمن حقها بل من واجبها، أن تراقب أداء القطاع الخاص، وأن تكشف أي فساد أو تجاوز للقانون، لكن ليس من دورها أن تحل محل القضاء أو أن تستبدل الوقائع بالظنون. فالصحافة التي تنحاز إلى الإثارة على حساب الحقيقة تفقد رسالتها، كما أن الصحافة التي تتماهى مع خطاب الناشطين تفقد قدرتها على إنتاج الوعي. فالدولة تُبنى بالمسؤولية، لا بالتحريض.

وأقول ذلك بعيدًا عن أي معرفة شخصية بالرجل. فلم يسبق لي أن التقيت أسامة داؤود، ولا جمعتني به مصلحة أو علاقة أو حتى مصافحة عابرة. لكن الإنصاف يقتضي أن يُقاس الناس بما يقدمونه في مجالاتهم، لا بما يُنسب إليهم من مواقف أو بما تصنعه المخيلة السياسية من اتهامات.

إن لقاء كامل إدريس وأسامة داؤود، بحسب #وجه_الحقيقة، ليس محاكمة لرجل أعمال، بل اختبار لقدرة الحكومة على استعادة منطق الدولة. فالمعركة الحقيقية، في بناء اقتصاد قادر على تجاوز آثار الحرب. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى رأس مال وطني وأجنبي يدخل ميادين الإنتاج والبنية التحتية، لا إلى خطاب يطارد الاستثمار بالشكوك والمزايدات. فالدول لا تنهض بإقامة المقاصل للثروة، بل بصناعة بيئة قانونية عادلة تحمي المستثمر وتخضع الجميع لمعيار واحد: خدمة الوطن والتنمية.

دمتم بخير وعافية.

الأحد 2 أغسطس 2026 م  [email protected]
#إبراهيم_شقلاوي #أسامة_داؤود #كامل_إدريس #الاقتصاد_السوداني #الاستثمار #رأس_المال_الوطني #التعافي_الاقتصادي #التنمية #دولة_القانون #السودان