
قراءة نقدية في قصيدة(يممت وجهك)للشاعرة التونسية هادية السالمي |ناصر ابو زيد
دكتور وناقد اكاديمي|مصر
يَمَّمْتُ وجهَكَ
بقلمي : هادية السّالمي دجبّي- تونس.
الْبحرُ يَقْطِفُ قلائدي
و يُطْفئُ فوانيسَ حدائقِي.
و اللّيلُ يَنْضُدُ بَراغِيه على خاصرتي،
يلْتَفُّ في كفّي ،
يُسامرُ مدامعي و يمضغُ يدي.
على رصيفه
أُرَصِّفُ مجازاتِ الْعباءاتِ و بَوْحَها .
أزرعُ فيه الأبجدياتِ و ماءَها،
لِأَعْرُجَ إلى ظِلِّكَ يا أبي…
و أَتَشَرَّبُ وميضَ الظُّلُماتِ
علَّني أُخْمِدُ جوعا يتكتَّلُ على جدران مِعْصَمِي.
و هذه الْغيومُ
ألسنةُ نار تترصَّدُ جلابيبي،
تُهَشِّمُ أساوِري،
و تعتكف بين أضلُعي.
يَشْهَقُ في حُنْجُرتي طيْرٌ و يرتَجِفُ ظِلُّهُ،
و تَهْجُرُ مَدافِني وُجُوهُ الْأُقْحُوانِ و ظلالُها.
تمتشِقُ الرّيحُ بريقَ دمعتي
و نبضَ ألوان خرائطي ،
و كَعْبي يَتَدَلَّى في الْخَواءْ.
يُرْبِكُني أزيزُ كعْبِي و خسوفُ قَمَري،
فأرْتدي أَسْئلَتِي…
أطوفُ دونما ظِلالٍ أو مفاتيحَ بها أسري
إلى مدائني.
إلى الطُّفولاتِ الْبعيدةِ
يُطَوِّحُ بڨيتاري الْغِيابُ و إلى العنبِ
في جَفْنِ الرُّبى.
لااللّوْزُ يُزْهِرُ على ڤيتارَتي
و لا الْمجازاتُ تُعرِّشُ على أزمنة الصّقيعِ
في أَقْمِصَتِي.
” بْرُومِيثِيُوسُ ” تَتَهَدَّمُ مَعَابِدُ لهُ
على ضفاف الْمُدُنِ الرَّخْوَةِ في يدي،
و وَجْهُكَ النَّدِيُّ يا أبي
يَمَّمْتُهُ كيما أرى.
فهل لِوَجْهي بين كَفَّيْكَ
رَذَاذٌ بِسَناهُ يَرى؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ إليكم القراءة والدراسة النقدية والتحليل الأدبي الشامل لقصيدة «يمّمْتُ وجْهَك» للشاعرة والأديبة التونسية الأستاذة / هادية السّالمي ، مقسمة وفق العناصر والمحاور التي تتضمنها القصيدة ، بقلم الناقد الأدبي واللغوي الدكتور / ناصر أبوزيد / الجامعة المصرية :ــ
ــ أولاً: العنوان المقترح للدراسة والعتبة النصية ، عنوان الدراسة النقدية المقترح :ــ
«تجليات الفقد وأيقونة الخلاص: قراءة نقدية في شعرية الاغتراب والرجاء عند الشاعرة/ هادية السالمي»
ــ عتبة النص (العنوان: “يمّمت وجهك”) :ـ يمثل العنوان عتبة إشراقية وروحيّة مكثفة . الفعل (يمّمْتُ) يحمل حمولة دينية وطقوسية ترتبط بـ التيمم/التوجه الصافي واليقين بحثاً عن الطهارة والخلاص عند شحّ الماء . توجيه الوجه إلى “أيقونة الأب” ليس مجرد اتجاه مكاني، بل هو صلاة روحية ورحلة بحث عن الأمان وسط عالم يعج بالتفتت.
ــ ثانياً: الهندسة الميكانيكية ، التشكيل الخطي، والطباعة : ــ
ــ تتخذ القصيدة شكل قصيدة التفعيلة/النثر الحديثة ذات التشكيل الخطي المفتوح:
ـ علامات الترقيم والوقفات (النقاط المتتابعة ..): جاءت التشكيلات الطباعية معبرة عن أنفاس الشاعرة المتعددة والتقطع الوجداني؛ فالنقاط المتتابعة تتيح للمستقبل مساحة للصمت والتأمل بين الحزن والآخر.
ــ التشظي البصري :ــ الانتقال بين الجمل الطويلة والقصيرة يعكس الهزة النفسية والارتباك الوجداني الذي تعيشه الذات الشاعرة.
ــ التشكيل اللغوي (الحركات): اهتمام الشاعرة بتشكيل الكلمات ضبطاً ورسماً يُضفي بعداً إنشادياً وموسيقى داخلية للنص تجعل القراءة السمعية البصرية متكاملة.
ــ ثالثاً: التلاحم بين الدلالة اللفظية والصورة البصرية : ـ
ــ تتآزر الألفاظ مع الصور البصرية بشكل حيوي لتنسج لوحة سورالية مشحونة:
ـ البحر والأساور والغيوم: عناصر طبيعية حسية بصرية تتحول إلى أدوات سلب وحصار (البحر يقطف قلائدي / الغيوم ألسنة نار).
ــ الجسد والخرائط: تمزج الشاعرة بين تفاصيل الجسد والمعنى المعنوي (على جدران معصمي / أرصّف مجازات العباءات / كعبي يتدلى في الخواء)؛ مما يجعل الفكرة تجريدية تتحسسها العين والوجدان في آنٍ واحد.
ــ رابعاً: المستوى الجمالي، التصويري، اللغوي، والتركيبي : ــ
1. المستوى الجمالي والتصويري:ــ
ـ الرمزية والأسطورة: أبدعت الشاعرة في استحضار رمزي مستمد من الأسطورة (بروميثيوس حامل القبس) لترسخ معنى العذاب والتحمل، إلى جانب استدعاء رموز الطبيعة (الأقحوان، اللوز، العنب).
ــ الانزياح والاستعارة السورالية: صور غير تقليدية تشد القارئ (الليل يمضغ يدي / تعتكف بين أضلعي / خسوف قمري).
2. المستوى اللغوي والتركيبي:ــ
ـ مزاوجة بين الأسلوب الخبري المحمل بمرارة الواقع والأسلوب الإنقاذي الإنشائي (النداء والاستفهام في النهاية: يا أبي… فهل لوجهي بين كفيك رذاذ بسناه يرى؟).
لغة جزلة، فصيحة، تنتمي للسهل الممتنع، استطاعت إعادة صياغة المفردات التراثية واليومية في سياق حداثي ناصع.
ــخامساً: المفهوم العام، مدى التأثير، والجماليات : ـ
ــ المفهوم العام: القصيدة مرثية وجدانية وشهادة اغتراب نفسي ووجودي؛ تجسد محاولة الانعتاق من قسوة العالم والزمن (“أزمنة الصقيع”) للجوء إلى مظلة الأب (الرمز الحاني والظل الداعم).
ــ تأثيرها في القارئ : تلامس القصيدة شغاف القلب بفضل صدق التجربة والوجع الإنساني المتبدى فيها، وتنقل القارئ من حالة المشاهدة إلى حالة المعايشة والتعاطف مع ضياع “الطفولات البعيدة”.
ــ سادساً: ما تدعو إليه وما تنهى عنه والتقييم النهائي : ــ
ما تدعو إليه : ــ التمسك بالوفاء والجذور وتخليد ذكرى الأب والملجأ الروحي.
ــ البحث عن الخلاص النوراني وسط ظلمات الحياة ومصاعبها.
ما تنهى عنه :ــ الاستسلام لمدن الجفاف والصقيع والانهيار الروحي.
ــ فقدان الهوية والانسحاق أمام غياب السند.
ــ التقييم النهائي: نص أدبي فاخر رفيع المستوى، يمتلك مقومات النص الإنساني الخالد، حيث يتجاور فيه الحزن النبيل بالجمال الفني الباذخ.
ــ سابعاً: الحواس في القصيدة ونقاط القوة : ــ تمكنت الشاعرة من تفعيل ورشة الحواس كاملة في نصها:
ــ حاسة اللمس: (ينضد براغيه / يمضغ يدي / أضلعي / رذاذ).
ـ حاسة البصر: (وميض الظلمات / ألسنة نار / وجهك الندي / بريق دمعتي).
ــ حاسة السمع: (يشهق طير / أزيز كعبي / فيتارتي).
نقاط القوة وما تمتاز به:ــ
ــ القدرة على تكثيف الشجن دون السقوط في المباشرة والتقريرية.
ــ الربط المحكم بين المأساة الذاتية (الفقد) والمأساة الوجودية (الغياب والخواء).
ثامناً: القيمة التربوية والثناء على القصيدة ولغة الشاعرة : ــ
ـ القيمة التربوية: ترسيخ قيمة “البر بالأب” وجعله ملاذاً ومرجعية أخلاقية وروحية حتى بعد غيابه، إلى جانب الاعتزاز باللغة والبحث عن النور في أحلك الأوقات.
ــ الثناء والتقدير:ـ تُثبت الشاعرة هادية السالمي في هذه القصيدة قدرة استثنائية على تطويع اللغة؛ فلغتها لغة شاعرة، مقتدرة، تجمع بين الرقة والصلابة، وتفيض بالجمال الموسيقي والدلالي الذي يعكس قامة أدبية تونسية وعربية شاهقة تستحق كل الاحتفاء والتقدير.








