الجنية الفصل الثالث| فايل المطاعني

كاتب  وروائي | عماني
عبد القيوم
«بيني وبين الصمت محبةٌ من سنين،
وأخاف أن أخون الصمت إن تكلمت.
بعض الحكي يوجع، ولو كان حرفين،
وش ينفعك إن حكيتَ ثم ندمت؟»
أراد والدي أن يريح رأسه من وجعنا، بعدما أكل الناس وجهه باللوم، قائلين: كيف تترك أطفالك وحدهم وتمنع أمهم عنهم؟ عندها أخذ يفكر في حل، ولمعت الفكرة في رأسه.
أحضر عاملًا آسيويًا اسمه عبد القيوم، وأسكنه معنا. كان ينام في الغرفة نفسها، ويطبخ لنا، ويغسل ملابسنا، ويهتم بكل شؤوننا. كان يقوم بدور الخادمة، لكنه كان رجلًا حنونًا، بل أحنّ من والدي، حتى إنني كنت، في بعض الأحيان، أناديه: «بابا».
وسقطت دمعة كبيرة من عينيها، فأغرقت الأوراق التي أمامها، وانساب الحبر كالمطر الأسود في كل اتجاه، ولم تعد تستطيع إيقافه. لقد فتحت باب الذكريات، فكيف لها أن توقف الألم؟ وكيف لها أن تغلق أبواب الحنين والوجع؟
كانت تستعيد صورة عبد القيوم، الذي بلغها خبر وفاته قبل أيام قليلة. وبعد أن جفّت دموعها، قالت:
«الحمد لله على كل حال.»
هكذا استقبلت خبر وفاة أبيها الحقيقي… عبد القيوم.
كان عبد القيوم أبي الذي رباني، وأدى الدور الذي كان ينبغي أن يؤديه والدي، بعدما حرمنا من والدتنا. ولكن… يا ويلي من الرجال!
كيف أنسى حنان بابا عبد القيوم علينا؟ أذكر أن أختي الصغيرة استيقظت ذات مرة من نومها فزعةً تبكي، فقام – رحمه الله – وسخّن لها الحليب، ثم أجلسها على ركبته حتى نامت. كان حنونًا إلى أبعد الحدود. رحم الله روحه، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته.
وعندما كبرت، وأصبح عمري تسع سنوات، رفض عبد القيوم أن ينام معنا في الغرفة نفسها، وقال لي:
«أنتِ الآن كبرتِ.»
فانتقل إلى الغرفة الأخرى.
وفي تلك السن المبكرة، بدأت أتعلم أمور الحياة، وأتحمل مسؤولية إخوتي، رغم صغر سني. وكان قدري أيضًا أن أكون «جنية» في نظر المجتمع، وأن أكون أمًا وأبًا وأختًا في الوقت نفسه.
فهل يستطيع أحد أن يتحمل كل ذلك وهو في التاسعة من عمره؟
افتتح والدي بقالة، وأخذ عبد القيوم معه للعمل، فأصبحتُ أنا المسؤولة عن شؤون المنزل كلها؛ من الطبخ والكنس إلى تربية إخوتي، حتى وصلت إلى المرحلة المتوسطة.
عندها قرر والدي أن يتزوج، كما قال: «رحمةً بي.»
سافر لاختيار زوجته، أما أمي المسكينة، فكانت تسمع أخبارنا من الناس، ونحن أيضًا كنا نسمع أخبارها منهم.
بعد زواج والدي، كانت الأمور طيبة في البداية؛ فقد كانت زوجته حنونةً جدًا علينا، لأن والدي أخبرها بأن أمي متوفاة. وكانت تساعدني في أعمال المنزل، وتشجعني على المذاكرة، وتقول لي:
«اهتمي بدراستك، فهي مستقبلك، ولن ينفعك بعد الله غيرها.»
لكن بعدما أنجبت، تغير الحال مئةً وثمانين درجة. تركت ابنتها عندي، ثم ابنها من بعدها، لأتولى تربيتهما، بينما أصبحت هي منشغلة بنفسها، تتنقل من محل إلى آخر، وتتجول في الأسواق.
وسكتت الجنية فجأة، ثم قالت:
«الحمد لله على كل حال.»
يتبع..