حين يشيخ الوطن قبل ان نشيخ ! محمد المحسن

كاتب وناقد تونسي
تصدير
َراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني
فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ
لِفَقدِيَ ناظِري وَلُزومِ بَيتي
وَكَونِ النَفسِ في الجَسَدِ الخَبيثِ
(أبو العلاء المعري)

هل تزحف الشيخوخة نحونا هكذا،في ليل طويل واحد،وبعتمة داخلية تجعلنا نتمهّل في كل شيء، ونمشي ببطء،كأننا فقدنا الطريق قبل أن نصل إليه؟! أم أن ما نسمّيه شيخوخة ليس سوى انعكاس لما يحيط بنا من رتابة وملل وانتظار؟!
أحيانا،لا يكون العمر هو الذي يثقل خطانا،بل الأيام نفسها.
هناك مدنٌ تستطيع أن تُنهك الروح قبل الجسد، وأن تجعل الإنسان يشعر بأنه يكبر كل صباح سنواتٍ إضافية،لا لأن الشعر شاب،ولا لأن التجاعيد ازدادت،وإنما لأن الأمل صار أكثر تعبا، ولأن الأشياء التي كانت تمنح الحياة معناها بدأت تفقد بريقها واحدا بعد آخر.
أيكون الملل والضياع والرتابة جزءًا من مواصفات الشيخوخة،أم من مواصفات هذه المدينة التي نمضي في شوارعها كأننا نبحث عن شيءٍ لا نعرف اسمه؟!
تراني أنا الذي أدخل الشيخوخة،أم أن الوطن بأكمله يدخل اليوم سنّ اليأس الجماعي؟!
ثمة أوطان لا تُهرم شعوبها بالسنين،بل بالخيبات. تجعل مواطنيها يشيخون وهم في مقتبل العمر، لأن الانتظار الطويل يستهلك القلب،ولأن الأحلام المؤجلة تتحول،مع الوقت،إلى ندوبٍ لا تُرى. وحين يصبح الغد نسخة باهتة من الأمس،يفقد الإنسان إحساسه بالزمن،فلا يعود يعرف هل يمضي إلى الأمام أم يدور في المكان نفسه.!
الوطن،حين تضيق فيه مساحات الأمل،يصبح قادرا على فعل ما لا تقدر عليه السنوات: أن يجعلنا نكبر في بضعة أشهر،وأن نهرم أحيانا في بضعة أسابيع فقط.!
نستيقظ فنجد شيئا ما في داخلنا قد انطفأ.نمرّ بالأماكن نفسها،نلتقي الوجوه نفسها،نسمع الشكاوى نفسها،ونؤجل الأحلام نفسها.حتى الفرح، حين يأتي،يبدو عابرا وخجولا،كأنه يخشى أن يُتهم بأنه لا يشبه واقعنا.!
ولعل أقسى ما في الشيخوخة ليس أن يتعب الجسد،وإنما أن تتعب الرغبة في الحياة.أن يصبح الإنسان غير قادر على الدهشة،ولا على الانتظار، ولا حتى على الحلم..!
أن تتساوى عنده الأشياء،فلا يفرحه وصول ولا يؤلمه رحيل،لأن كثرة الخيبات علّمته أن يحتمي باللامبالاة.
لكن هل نحن فعلا شيوخ؟!
أم أننا فقط متعبون من وطن لم يمنحنا الوقت الكافي لنكون شبابا..؟!
ربما ليست المشكلة في أعمارنا،بل في زمن أثقل أرواحنا قبل أوانها.وربما لا نحتاج إلى استعادة شبابنا بقدر ما نحتاج إلى استعادة معنى الحياة من حولنا: شارعا يفتح على الأمل،مدينة تنبض بدل أن تنتظر،وطنا يجعل أبناءه يحلمون بدل أن يعلّمهم كيف يتعايشون مع الخيبة.
فالإنسان لا يهرم حين تتقدم به السنوات،بل حين يفقد قدرته على انتظار الغد بشغف.والوطن لا يشيخ حين تتعب بنا بنيته،بل حين تتعب أحلام أبنائه،وحين يصبح الأمل فيه ترفا،والحلم مغامرة، والفرح استثناء.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: متى شخنا ؟ بل: من الذي سرق منا شبابنا ؟!
فقد لا تكون الشيخوخة التي نحسّ بها في أرواحنا قدرا شخصيا،وإنما ظلّ وطن أنهكته الانتظارات،وأرهق أبناءه طول الطريق.
وحين يستعيد الوطن قدرته على الحلم، سنكتشف أن في أعماقنا أعمارا لم تعش بعد،وأن بعض الأرواح لا تحتاج إلى سنوات أقل،بل إلى وطنٍ يمنحها سببا جديدا للحياة.
وفي النهاية،ربما لم تشخ أرواحنا لأن العمر مضى، بل لأن الوطن أثقلها بما لا تحتمل.فهناك خيبات تُهرم الإنسان أكثر من السنين،وانتظارات طويلة تدفن في القلب شيئا من شبابه كل يوم.وما أقسى أن نكتشف،ذات مساء،أننا لم نكبر وحدنا..بل كبر فينا وطن كان يفترض أن يمنحنا أسبابا للحياة..!