أحذرواالإعلام :بين تزييف الحقائق وتدليس الوقائع

حكيم زغير الساعدي كاتب عراقي

الدور المباشر للإعلام في تشويه الحقائق
للإعلام دور فاعل في التأثير على واقعنا المعاصر بشكل مباشر، وله ذلك التأثير القوي في تشويه الحقائق وقلبها لمصالح خاصة ومنافع سياسية؛ لذلك يُعد الوسيلة الأفضل لتحقيق هذه الغاية، لكونه الأسرع، والأكثر انتشاراً، وفي متناول جميع الطبقات. فهو يؤثر على الجميع ويجعل الناس يتفاعلون معه ويأخذون به وكأنّه حقيقة لا غبار عليها!
من أساليب التزييف والتدليس (الفبركة)
تعد هذه المسألة من أخطر أساليب التزييف؛ وهي تتمثل في عمليات المونتاج، والبتر، والإضافة، وقطع الكلام وتظليله لغاية ما؛ إما لإسقاط شخص أو تشويه سمعته. ولذلك يلجأون إلى أمور من هذا القبيل، فيدبلجون صوره في أوضاع ليست صحيحة أو مخلة بالآداب، أو ابتزازه، أو النصب عليه من أجل الحصول على أموال طائلة.
تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake): فبركة الواقع المعاصر
ولا يقف التزييف اليوم عند حدود المونتاج التقليدي، بل تطور مع ثورة الذكاء الاصطناعي ليصل إلى تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake)؛ حيث بات بإمكان الجهات المغرضة إنتاج مقاطع فيديو وصوتيات شديدة الواقعية لشخصيات عامة تنطق فيها بكلمات لم تصدر عنها قط، أو تظهر في مواقف مفبركة بدقة مذهلة. وقد استُخدمت هذه التقنيات الخطيرة في الآونة الأخيرة لتأجيج الأزمات، وخداع الرأي العام، وصياغة وقائع وهمية بالكامل، مما يفرض اليوم تحدياً غير مسبوق أمام المتلقي يتطلب أقصى درجات الوعي والتشكيك المنهجي.
امتداد التزييف الإعلامي إلى المستوى الدولي
ولا يقتصر هذا الأمر محلياً، بل يتعداه إلى المستوى العالمي والدولي؛ إذ تستخدم دول كبرى هذا النمط التزييفي؛ فهي قد تفبرك خبراً للإساءة إلى رئيس دولة ما، أو تروج لبيانات اقتصادية زائفة، أو تشويه سمعة منتجات دولة أخرى بهدف القضاء عليها اقتصادياً.
الحرب النفسية
يكون دور الإعلام في الحرب الإعلامية، وخاصةً النفسية منها، عاملاً فاعلاً في تحطيم الروح المعنوية للعدو وجعله ضعيفاً لا يستطيع المبادرة؛ وذلك عن طريق بث أخبار تخص الاقتصاد، كانهيار عملة ما، أو غرق سفينة نفط، أو تضخيم أزمة حادة. كذلك يستعينون بفيديوهات قديمة يتم تركيبها لتبدو حديثة وفي وقت قريب، حتى تكون أجهزة العدو غير قادرة على استيعاب الأمر، مما يضعف قدرته العسكرية ويحدث اضطراباً داخل الدولة المستهدفة.
فيكون للعامل النفسي تأثير كبير في التقليل من همة العدو وخاصة الشعب؛ فالإعلام قادر على إثارة عدم الاستقرار، وربما يقود إلى أحداث تغييرات يريدها الخصم. وتكون هذه الحرب النفسية هي التي تحسم المعارك الاقتصادية والعسكرية لتلك الدول التي تشن حربها على الغير، مما يحقق لها مكاسب جسيمة.
إظهار جانب السيطرة والتفوق
إن السبل الكفيلة بإرهاب العدو وتخويفه هي إظهار التفوق العسكري والاقتصادي، وإبراز الإمكانات التسليحية، وتصوير الجيش والقوى المسلحة الأخرى بمظهر البطل الذي لا يُقهر. وهذا الجانب كفيل وله قدرة كبيرة وفاعلة في كسر الجانب المعنوي وإضعافه لدى الدولة المعادية، وإجبارها على الخضوع والاستسلام.
الجانب الاقتصادي
لا شك أن الاقتصاد يلعب دوراً أساسياً في حياة الشعوب، وهو عصب الحياة فيها وشريانها الحيوي. وهنا يُستغل هذا الجانب بشكل منظم وبعمل تكتيكي مدروس لكي يُضعَف؛ لذلك يتم ترويج صورة الاقتصاد بأنه هزيل أو على وشك الاضمحلال والسقوط. ويتم التأكيد على هذا الأمر من عدة اتجاهات؛ منها الطعن في رداءة المنتَج، وهدم سمعة المؤسسات، وإظهار المنتجات البديلة بمظهر الأفضل، وتصوير أفلام دعائية خاصة بهذا الغرض لمحاولة إنهائه إعلامياً والوصول إلى كساد ذلك الاقتصاد بغية تحطيم الدولة المنافسة. والوسائل في ذلك كثيرة ومتنوعة: فضائيات، ومواقع تواصل اجتماعي، وصحف، وإذاعات. وليست المسألة مجرد حرب إعلامية فحسب، وإنما هي خطة مدروسة استُعين فيها بخبراء في هذا المجال.
الإعلام والطائفية
اعلم أن الطائفية وكيفية تفعيلها، والخوض فيها، ونشرها، أشد فتكاً من الأسلحة النووية؛ لأن السلاح النووي تأثيره محدود بزمان ومكان، أما الطائفية فكفيلة بأن تفني العالم بأسره. وهذا ما شاهدناه ولمسنا أثره المدمر، وخاصة في عالمنا العربي؛ حيث أُنشئت فضائيات وصُرفت عليها مئات الملايين من الدولارات في سبيل تأجيج هذه النعرات وإظهارها بمظهر الحرب المقدسة دفاعاً عن الدين، وراح ضحيتها الآلاف بلا ضمير أو وازع أخلاقي.
ختاماً
علينا إيجاد آلية معرفية نستطيع من خلالها عدم الانخداع بالإعلام المضلل وتقنياته الحديثة كالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، وأخذ المعلومات من مصادرها الموثوقة والمعروفة، وتجنب كثير من الشبهات والأخبار والأفلام والخطب المزيفة. وألا نستعجل بتصديقها، بل يجب أن نتأكد من صحتها وصحة من قام بنقلها ونشرها، وأن نحللها لنعرف من وراءها ومن المستفيد منها، وخاصة تلك الفضائيات الدينية التي تنشر سمومها لتمزيق لحمة أبناء البلد الواحد.
كما ينبغي أن نتصدى لها بكل حزم، وذكاء، ومعرفة، من خلال عقد المؤتمرات والاستفادة من الخبراء لفضح هؤلاء، وكشف حقيقتهم، والتخلص منهم إلى الأبد؛ فهؤلاء كحشرة الأرضة لا تدعك إلا أن تنخر جسمك أو تقضي عليها.