
فصل من فصول حياتي
الكاتبة مـوزة الفـزاري- سلطنة عمان..
تلك هي مدرستي، قضيت فيـها فصل من فصول حياتي.. لم تكن مجرد مدرسة، أقصدها كل صباح لأداء عملي ثم اتركها لأعـود إلى منزلي..
بـل هي جزء من عمري قضيته بين جدرانها، وقطعة من قلبي عاشت بين زواياها، حكاية استمرت لأربعة عشرَ عامًا ، حملت في طياتها كل الحب والحنان، وروت بين صفحاتها قصص جميلة تفاصيلها موجودة خلف الجدران وبين الممرات وعند زوايا الصفوف.
اليوم وبعد هذه السنوات أجد نفسي أودع مدرستي، وألملم أوراقي، والدمع يملأ العيون، والقلب يخفق حزنًا لوداع ذلك البيت الثاني، وتلك الذكريات الجميلة، وتلك الوجوه التي كانت جزءًا من سعادتي في عملي.
ودعت تلك الوجوه البريئة التي كانت همساتهم وضحكاتهم هي بداية صباحي الجميل، ودعت تلك الممرات التي حفظت صوتي، وتلك الصفوف التي شهدت لحظات ومواقف لا تنسى..
ودعتهم و سأشتاق لهم..
سأشتاق لقلوب الصغار، والوجوه الجميلة والصباحات المملوءة بضحكاتهم وأحضانهم الصغيرة، وبصرخاتهم البريئة التي تُعطي المكان حياة وفرحة،
فكل صباح أدخل من باب المدرسة فأجد قلوبهم تنتظرني، وخطواتهم تتسابق نحوي، والعيون لامعة، والقلوب دافئة، كانت صباحات ليست عادية ، بل صباحات سيبقى الحنين دائما يسبقني شوقًا لها..
شكرا لكم صغاري الذين كنتم سعادة لي في عملي، وجزءًا من حكايتي البسيطة، وفصلاً مزهرًا من فصول مدرستي..
سأشتاق أيضا لزميلات العمل اللاتي أصبحن جزءًا رائعًا وجانبًا جميلاً من ذلك الوطن الصغير..
تقاسمنا معًا الضحكات، وجمعتنا أجمل الذكريات..
أسرة صغيرة عشنا تحت سقف المحبة والإخاء، والتعاون والعطاء، كنا سندًا وعونًا لبعضنا البعض، كنا قلوبًا متحدة في الوقت الصعب، أنجزنا المهام واجتزنا التحديات ، وعشنا مواقف كثيرة أصبحت اليوم بعد رحيلي عنكم ذكريات ثمينة وغالية ستظل ساكنة في القلب. فشكرًا لكم..
شكرًا لكل زميلة كانت لي عونًا.. وفي طريق العمل سندًا ، لكل ابتسامة وسعادة رسمتموها في طريقي، وتأكدوا بأنني سأظل اذكركم بالدعاء والحب والوفاء…
وشكرا لأولياء الأمور فهم الشركاء الحقيقيين لرحلة التربية والتعليم، اجتمعنا بهدف واحد وهو أن نشاهد أبنائنا يتقدمون علمًا وخلقًا ..
شكرا لأنكم أعطيتمونيي ثقة ، ومنحتوني حبًّا في تعليم ابنائكم، كلماتكم الرائعة ورسائلكم الجميلة هي بريد الحب الذي أسعدني، فمن أجمل المشاعر التي يفتخر بها المعلم شعوره بالثقة الكبيرة التي يحظى بها من الأسرة بأن أبنائهم في يد معلم يعتني بهم، ويحرص على تعليمهم..
أربعة عشر عاماً قضيتها بحب بين الزوايا والفصول، وبين التعب والجهد، والإنجاز والفخر..
واعطيْتُ ما استطعْتْ..
وأثـرّتُ بقدر ما تأثـرْت..
وبفضل الله تقدمت..
وتعلّـمتُ وعلَّمْـت..
فشكرا مدرستي فأنت في قلبي..
كنتم وطني الصغير الذي دونت فيه أجمل الذكريات، وأحلى الصباحات، وتبادلت معكم أروع الضحكات والبسمات ..
مدرستي الغالية تركت صوتي في طابور الصباح، ودعواتي الصباحية في قلوب الصغار، وهمساتي بين الممرات، وحكاياتي الجميلة داخل الصفوف، وصفحـاتي البيضاء التي رسمت عليها حب الطلاب،
وأقلامي الملونة التي دونتُ بها أجمل العبارات، وممحاتي التي كنت أمحو بها عثرات الأيام..
تركت أشياء وأشياء ولكن بالمقابل حملت شيئًـا عظيمًا
( حملت مواقف كثيرة صنعت مني قلبًا كبيرًا يتسع للجميع، وروحًا نقية تزرع المحبة في طريق من حولها، وحضنًا دافئًا يفيض بالأمان لمن أحبها، وفي كلماتها أثرًا طيبًا تبقى ذكرى لمن حولها..
إلى اللقاء مدرستي وستبقين محطة جميلة من محطات حياتي وفصلاً مزهرًا من فصول عمري..
سأرحل لأبدأ محطةً جديدةً ، فما إن تنتهي محطة إلا وتبدأ محطة أخرى..
وبعـض المحطات لا تنتهي بالرحيل، بل تكون بدايتها في مكان آخر ولكن بأمـلٍ كبيـرٍ لا ينتهي، وروحٌ صادقة وأكثر حبًّـا، وقلبًـا طيبًـا وأكثر دفئًـا ، ويــدٌ مفتوحـة وأكثـرُ عطـاءً..







