
رسالة ملك صور إلى ملك أوغاريت( KTU 2.38 RS 18.031)
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري .
وثيقة دبلوماسية تكشف شبكة العلاقات البحرية والتجارية في شرق المتوسط خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
تُعد الرسالة المعروفة برقم RS 18.031 والمصنفة في مجموعة النصوص الأوغاريتية تحت الرقم KTU 2.38 من أهم الوثائق الدبلوماسية المكتشفة في مدينة أوغاريت القديمة (رأس الشمرة). وقد عُثر عليها ضمن أرشيفات المدينة التي كشفت عنها البعثات الأثرية وهي تمثل نموذجاً فريداً للمراسلات المتبادلة بين الممالك الساحلية في شرق البحر المتوسط خلال أواخر العصر البرونزي.
تبدأ الرسالة بالصيغة الدبلوماسية التقليدية المعروفة في مراسلات الشرق الأدنى القديم:
“إلى ملك أوغاريت أخي قل: هكذا يقول ملك صور أخوك..”
وتعكس هذه العبارة مكانة المملكتين والعلاقة الودية التي كانت تربط بينهما إذ كان لقب “الأخ” يُستخدم عادة بين الملوك المتساوين في المكانة السياسية أو الذين تجمعهم علاقات تحالف مشترك تقول فحوى الرسالة:
“إلى أخي ملك أوغاريت ..رسالة من ملك صور أخيك ..أرجو أن تكون بخير !حمتك الآلهة ووهبتك الصحة والعافية ..الأمور عندي على ما يرام ..أعلمني بكل ما يستجد عندك من أمور طيبة !..
إن مركبك الذي كان ذاهباً إلى مصر أوشك أن يغرق قرب صور ..لقد ألفوا أنفسهم وسط عاصفة هوجاء ..فقام مأمور الحطام أخذ كل الحبوب من السلال /أي كل حمولة الحبوب /
أما أنا فقد استعدت من مأمور الحطام كل الحبوب وكل الأشخاص وكل الطعام وأعدت إليهم هذه الأشياء ..ومركبك عار../لقد فقد أشرعته بفعل العاصفة ..لا تقلق يا أخي ..”
لغة الرسالة وإشكاليتها
تكتسب الوثيقة أهمية إضافية لأنها وصلت إلينا محررة باللغة الأوغاريتية المسمارية الأبجدية. وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل كان ملك صور يتقن الأوغاريتية؟
لا يوجد دليل مباشر على ذلك إلا أن عدداً من الباحثين يرجحون أن النص الذي وصل إلينا قد يكون ترجمة أوغاريتية لرسالة أصلية أمليت بلغة أخرى ربما بالأكدية التي كانت اللغة الدبلوماسية الدولية في ذلك العصر أو بإحدى اللهجات الكنعانية الساحلية القريبة من الفينيقية المبكرة. وقد أشار بعض الدارسين إلى أن الرسالة الأوغاريتية تبدو في بنيتها ترجمةً لنص دبلوماسي أقدم.
ومن هنا يمكن افتراض وجود كاتب أوغاريتي أو مترجم متخصص ضمن بلاط صور وهو أمر لا يدعو إلى الاستغراب في عالم كانت فيه المراسلات الدولية تعتمد على كتبة محترفين يجيدون أكثر من لغة.
تكشف الرسالة عن حادثة بحرية تعرضت لها سفينة أوغاريتية كانت متجهة إلى مصر. ووفق النص فقد باغتتها عاصفة قوية قرب سواحل صور فتضررت السفينة وكادت أن تهلك. ويذكر الملك الصوري أن مسؤولاً مختصاً بإنقاذ الحطام البحري تمكن من استخراج حمولة الحبوب الموجودة على متنها. ثم يوضح أنه استعاد الحبوب والطاقم والمؤن من ذلك المسؤول وأعادها جميعاً إلى أصحابها.
وتنتهي الرسالة بعبارة طمأنة لملك أوغاريت تفيد بأن السفينة أصبحت راسية في عكا وقد فقدت تجهيزاتها أو أشرعتها نتيجة العاصفة داعياً أخاه الملك إلى عدم القلق.
لقد كشفت هذه الوثيقة عن عدة حقائق مهمة:
أولاً: تؤكد أن أوغاريت كانت تمتلك أسطولاً تجارياً نشطاً يعمل على خطوط الملاحة الدولية بين الساحل السوري ومصر.
ثانياً: تشير إلى أن تجارة الحبوب كانت من السلع الاستراتيجية المتبادلة بين موانئ شرق المتوسط وأن مصر ظلت مصدراً مهماً للحبوب خلال فترات متعددة من أواخر العصر البرونزي.
ثالثاً: تقدم دليلاً مباشراً على وجود إجراءات إدارية وقانونية مرتبطة بإنقاذ السفن المتضررة وحماية البضائع المنقولة بحراً وهو ما يعكس مستوى متقدماً من التنظيم البحري في المنطقة.
رابعاً: تؤكد أن العلاقات بين أوغاريت وصور لم تكن مجرد علاقات سياسية بل كانت جزءاً من شبكة اقتصادية وبحرية مترابطة امتدت على طول الساحل الكنعاني من أوغاريت شمالاً حتى عكا وصور وصيدا جنوباً.
تكمن أهمية هذه الرسالة في أنها تنقل إلينا حدثاً يومياً حقيقياً وقع قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. فهي لا تتحدث عن معركة أو معاهدة كبرى بل عن سفينة تعرضت لعاصفة وعن تعاون بين ملكين لمعالجة نتائج الحادث. ولهذا السبب تُعد من الوثائق النادرة التي تسمح لنا بفهم تفاصيل الحياة البحرية والتجارية في شرق المتوسط فهماً مباشراً بعيداً عن السرديات السياسية التقليدية.
إن الرقيم رقمRS 18.031 يقدم صورة حية لأوغاريت بوصفها قوة بحرية وتجارية فاعلة ويؤكد أن ازدهارها لم يكن قائماً على موقعها الجغرافي فقط بل على شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية التي ربطتها بممالك المنطقة.
وهكذا تستمر أوغاريت بعد أكثر من ثلاثة وثلاثين قرناً في رواية تاريخها عبر ألواح الطين. فكل رقيم يُقرأ يضيف صفحة جديدة إلى سجل الحضارة السورية القديمة ويمنحنا فهماً أعمق للدور الذي لعبته مدن الساحل السوري في صناعة تاريخ البحر المتوسط.
أوغاريت التي تدهشنا في كل موسم أثري عن حكاية جديدة ومكتشفات تخمل لنا أخباراً تبشرنا بتائج سارة تسلط الضوء على تاريخ الساحل السوري في الالف الثاني قبل الميلاد..
أوغاريت ..كانت الحضارة وما زالت..
أوغاريت أنت النص الأجمل ..
على شواطئ بحرها ..أنظر وأكتفي ..وحديثها طويل طويل كحديث عاشقين ..لا ينتهي ..
.
عاشق أوغاريت..غسان القيّم.
أهم المراجع العلمية التي استند إليها البحث.
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
Charles Virolleaud, Palais Royal d’Ugarit V (PRU V)، النص رقم 59.
M. Dietrich, O. Loretz & J. Sanmartín, Die keilalphabetischen Texte aus Ugarit (KTU)، النص KTU 2.38.
Pierre Bordreuil & Dennis Pardee, A Manual of Ugaritic، النص 26: “The King of Tyre to the King of Ugarit”.
Scribd
J. Hoftijzer, “Une lettre du roi de Tyr”, Ugarit-Forschungen 11 (1979).
Mnamon
Juan Luis Cunchillos, Textes Ougaritiques II: Correspondance، باريس 1989.
Mnamon
Juan-Pablo Vita, دراسات حول الملاحة والسفن الأوغاريتية والعلاقات البحرية في شرق المتوسط.
فيما يلي ترجمة المراجع إلى اللغة العربية
النصوص الملكية من أوغاريت المجلد الخامس (PRU V) النص رقم 59.
Palais Royal d’Ugarit V (PRU V), texte n° 59.
ديتريش مانفريد : لوريتس أوسفالد سانمارتين، خواكين.
النصوص الأوغاريتية المسمارية الأبجدية من أوغاريت (KTU)، النص KTU 2.38.
Die keilalphabetischen Texte aus Ugarit (KTU), Text KTU 2.38.
بوردروي بيير وباردي دينيس.
دليل اللغة الأوغاريتية النص رقم 26: “رسالة ملك صور إلى ملك أوغاريت”.
A Manual of Ugaritic, Text 26: “The King of Tyre to the King of Ugarit”.
هوفتايزر ياكوب (J. Hoftijzer).
“رسالة من ملك صور” مجلة دراسات أوغاريت (Ugarit-Forschungen) المجلد 11 سنة 1979.
كونشيّوس خوان لويس (Juan Luis Cunchillos).
النصوص الأوغاريتية (الجزء الثاني): المراسلات.
باريس 1989.
Textes Ougaritiques II: Correspondance.
فيتا، خوان بابلو (Juan-Pablo Vita).
دراسات في المراسلات الأوغاريتية والعلاقات الدبلوماسية في أواخر العصر البرونزي.
بوردروي بيير وباردي، دينيس. دليل اللغة الأوغاريتية. النص 26: “رسالة ملك صور إلى ملك أوغاريت”.
ديتريش مانفريد.. لوريتس أوسفالد سانمارتين خواكين. النصوص الأوغاريتية المسمارية الأبجدية من أوغاريت (KTU)، النص KTU 2.38.
هوفتايزر ياكوب. «رسالة من ملك صور». دراسات أوغاريت 11 (1979).
كونشيّوس خوان لويس. النصوص الأوغاريتية II: المراسلات. باريس 1989.
النصوص الملكية من أوغاريت (PRU V)، النص رقم 59..
الصورة المرفقة نمطية ليست للنص المترجم








