
دور اللغة الأكادية في ثقافة مجتمع أوغاريت
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري
يبرز التفاعل الثقافي واللغوي الذي شكّل ملامح تلك المرحلة من التاريخ القديم:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
مملكة أوغاريت تلك المدينة الكنعانية التي لم تكن مجرد ميناء تجاري يعجُّ بالسفن والبضائع بل كانت أيضاً بوتقة انصهرت فيها الثقافات واللغات والحضارات.
في قلب هذا التفاعل الثقافي المدهش برزت اللغة الأكادية كلاعب محوري له حضوره الطاغي في الحياة الإدارية والدبلوماسية والسياسية لتلك المدينة.
في أوغاريت، كانت اللغة الأوغاريتية ذات الأبجدية الفريدة التي تُعد من أقدم الأبجديات في التاريخ، هي اللسان اليومي للناس وهي الوعاء الذي احتوى على الأساطير والتراتيل الدينية والكتابات الأدبية. لكن ومع ذلك لم تكن اللغة الوحيدة التي تُكتب أو تُتداول في هذه المدينة الراقية حضارياً إذ لعبت اللغة الأكادية دوراً مركزياً لا يمكن تجاهلهة خاصة في التعاملات الدولية والمراسلات الرسمية.
لقد كُتبت الوثائق الرسمية والاتفاقيات والمراسلات التي كانت تربط أوغاريت بغيرها من الممالك المجاورة مثل الحثيين والمصريين والبابليين بالآكادية لغة الدبلوماسية العالمية في الألف الثاني قبل الميلاد. كانت هذه اللغة بمثابة الإنجليزية في عصرنا الحديث لغة النخبة والمكاتبات العابرة للحدود. لكن اللافت أن ملوك أوغاريت أنفسهم، على ما يبدو لم يكونوا يتقنون هذه اللغة!
فخلال مواسم التنقبب الأثري التي تمت في السنوات الماضية وجد علماء الآثار في فرن خاص بشيّ الفخار عدداً من الوثائق المكتوبة بالأوغاريتية لكنها لم تكن أصيلة بهذه اللغة بل كانت ترجمات لنصوص أكادية. يُعتقد أن هذه النصوص تم تحويلها إلى الأوغاريتية كي تُفهم من قبل الملك أو حاشيته الذين لا يجيدون الأكادية. وهذا يثير تساؤلاً منطقياً: إذا كان الملك نفسه لا يعرف الأكادية فكم من الناس العاديين كان بإمكانهم أن يتعاملوا معها؟!
هنا نصل إلى نقطة محورية: لا بد أن الكتّاب المتخصصين قد تلقوا تدريباً خاصاً لتعلم اللغة الأكادية وربما التحقوا بدورات مكثفة كانت بمثابة “مدارس دبلوماسية قديمة” لكي يتمكنوا من فهم وصياغة الرسائل وفقاً للأعراف الدولية السائدة آنذاك.
ورغم أن الأوغاريتيين لم يستخدموا رموز الكتابة الأكادية في تدوين لغتهم الأم، فإنهم في بعض الحالات كتبوا نصوصاً كاملة باللغة الأكادية مما يدل على مرونة ثقافية عالية وقدرة على التفاعل مع “لغة العصر”. وهذا ليس غريباً إذا علمنا أن اللغة الأكادية كما تُظهر رسائل “تل العمارنة” المكتشفة في مصر كانت تُستخدم كلغة مشتركة توحد العالم المتحضر آنذاك من نهر النيل إلى دجلة والفرات ومن الأناضول إلى الساحل السوري.
هذا التوحد اللغوي لم يكن نتيجة فرض بالقوة بل ثمرة تفوق ثقافي واقتصادي وسياسي لحضارات بلاد الرافدين الذي اعترف به الجميع. فالعالم القديم لم يكن أقل وعياً بقوة “اللغة الناعمة” من عالمنا الحديث. وقد ساهم هذا الانتشار الواسع للأكادية في خلق نوع من الوحدة الثقافية والدينية لم تكن أوغاريت بمنأى عنها بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ منها تتفاعل مع مفرداتها وتعيد تشكيل هويتها من خلالها.
إن حضور اللغة الأكادية في أوغاريت لم يكن مجرد أداة تواصل بل كان جسراً حضارياً حمل الأفكار والأساليب الإدارية والرؤى الدينية والتقاليد الثقافية من بلاد الرافدين إلى سواحل البحر المتوسط. إنها شاهد على عصر كانت فيه الكلمة المكتوبة تُحرّر على ألواح الطين، لكنها تحمل وزناً يفوق السيوف والرماح.
وربما كانت تلك الألواح، المحفوظة في أرشيفات القصور والمعابد هي التي نقلت روح العصر أكثر من أي شيء آخر. ولعل من أروع ما وصلنا من إرث أوغاريت تلك القدرة على المزاوجة بين الخصوصية المحلية والانفتاح العالمي – بين اللغة الأوغاريتية التي كتبت بها أساطير مثل “ملحمة بعل”، وبين الأكادية التي نقلت صوت العالم الخارجي بكل تعقيداته.
تُعلمنا من أوغاريت من خلال تجربتها اللغوية أن التعددية اللغوية ليست ضعفاً بل مصدر قو ة وأن الانفتاح على الآخر لا يعني الذوبان بل التكامل. لقد كانت الأكادية في أوغاريت أكثر من مجرد لغة؛ كانت رمزاً لعصر عالمي الطابع متعدد الألسن، متشابك المصالح.
وفي زمن العولمة اليوم، لا يبدو أن دروس أوغاريت قديمة أو منسية بل هي أقرب إلى مرآة نرى فيها أنفسنا ولغتنا وهويتنا.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎








