انقذوا الاطفال قبل فوات الاوان

ناجي جلابي  مدرس تربوي كاتب| جزائري

لا أحد ينكر الثورة الرقمية التي اجتاحت الفضاء الأزرق، وما صاحبها من تقدم سريع في تقديم المعلومة بيسر ودون تعب أو ملل، وكذا بعض الألعاب التعليمية التي تنشّط الفكر، وتساعد على حل المشكلات المعقدة، ولكن بعض الألعاب والمحتويات الرقمية أصبحت مضرة ومؤثرة في عقول الأطفال وسلوكياتهم.
والكل يرى بأم عينه كيف أصبحت وضعية الأطفال، وهم يتعاملون مع الهاتف بشغف ،وإدمان شبه كامل، إلا من رحم ربي؛ تجدهم يجلسون وحدهم بالساعات الطوال، وأعينهم تحدّق في الشاشات، وأصابعهم تتراقص على سطحها، ففيها الألعاب الإلكترونية مثل لعبة «فري فاير»، والأغاني، وما إلى ذلك من الملهيات التي قد تضر بالعقول والأذهان، في غفلة تامة من الأبوين.
وقد قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].
فهذه الآية تحمل الأسرة مسؤولية عظيمة في حماية الأبناء، وتربيتهم، ووقايتهم مما يضر دينهم وأخلاقهم وعقولهم، ولا شك أن ترك الطفل فريسة للشاشات والمحتويات الضارة دون رقابة أو توجيه يدخل في باب التفريط في المسؤولية.
وهذا الأمر يتكرر مرات عديدة في اليوم، وبدون توقف، فيستفحل هذا الصنيع، ويتحول الاستعمال إلى إدمان على الهاتف.
فيا معشر الآباء والأمهات، إن الأمر جلل، فلا تنتقصوا من خطورته، ولا تستهينوا به؛ فإن ترك الأبناء على هذا الحال قد يتعبهم ويتعب أسرهم، ويترك آثارًا خطيرة في صحتهم النفسية والجسدية ومستقبلهم الدراسي والاجتماعي.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.
فالأب مسؤول عن أبنائه، والأم مسؤولة عن أبنائها، ومسؤوليتهما لا تقتصر على توفير الطعام واللباس والدراسة، بل تشمل كذلك متابعة ما يشاهده الأبناء، وما يمارسونه، وما يدخل إلى عقولهم وقلوبهم من محتويات.
الأخطار الصحية والنفسية
من بين الأخطار التي قد تبرز نتيجة الإفراط في استعمال الهاتف: جفاف العينين، وآلامهما، واضطرابات الرؤية، والصداع، وآلام الرقبة والظهر، وزيادة الوزن، وضعف اللياقة البدنية، إضافة إلى اضطراب النوم وقلة النشاط.
كما قد يؤدي الإفراط في استعمال الشاشات إلى تراجع التركيز، وضعف الانتباه، وكثرة النسيان والتشتت، خصوصًا عندما يتحول الهاتف إلى رفيق دائم للطفل في كل أوقاته.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
والآية وإن كان سياقها في أمر آخر، فإن فيها أصلًا عامًا في اجتناب ما يوقع الإنسان في الضرر والهلاك، وعدم تعريض النفس لما يؤذيها.
التأثيرات السلوكية
من خلال الممارسة المكثفة للهاتف، ومتابعة بعض الألعاب والمحتويات العنيفة، قد يتأثر سلوك الطفل وطريقة تفكيره، وعلى سبيل المثال فإن بعض الألعاب التي تقوم على القتال والانتقام قد تجعل الطفل يعيش في عالم افتراضي مليء بالصراع والعنف، ولذلك ينبغي على الوالدين مراقبة ما يشاهده الطفل وما يمارسه، وعدم تركه وحده أمام هذه المحتويات.
كما أن التعرّض المكثف للمشاهد والمحتويات المثيرة قد يولّد لدى بعض الأطفال مشاعر الغضب والانفعال، ويؤثر في قدرتهم على التحكم في سلوكهم.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه.
ومن هنا يجب أن نعلّم أبناءنا أن القوة ليست في العنف والانتقام، وإنما في ضبط النفس، والتحكم في الغضب، واحترام الآخرين.
ومن الآثار السلبية كذلك:
قلة مجالسة الأسرة والتواصل مع الأصدقاء.
ممارسة بعض الألعاب والمحتويات الخطيرة، وما قد يصاحبها من سلوكيات منحرفة أو غير أخلاقية.
العزوف عن الدراسة، وتراجع المستوى التحصيلي المدرسي.
ضعف التواصل الاجتماعي والانشغال بالعالم الافتراضي.
قلة الحركة والنشاط البدني.
السهر واضطراب النوم.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36].
فالسمع والبصر والقلب أمانة، وما يدخل إلى عقل الطفل من خلال عينيه وأذنيه ليس أمرًا هامشيًا؛ بل يمكن أن يترك أثرًا في فكره وسلوكه وشخصيته.
الحلول
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع العشوائي وحده، وإنما بالتربية والرقابة والتوعية، ومن أهم الحلول:
إغلاق المواقع الإباحية والمحتويات المنافية للأخلاق العامة، ومكافحة التنمر الإلكتروني وإيذاء النفس والمحتويات التي تهدد سلامة الأطفال.
تحديد مدة استعمال الهاتف بما يتناسب مع عمر الطفل، ويمكن أن تكون ساعة واحدة يوميًا في الحالات التي لا تتطلب استعمالًا دراسيًا، مع إمكانية التخفيض حسب الحاجة.
عدم استعمال الهاتف أثناء تناول الطعام، ولا قبل النوم.
عدم ترك الطفل منفردًا مع الهاتف لساعات طويلة، بل ينبغي أن تكون هناك متابعة ومرافقة من الوالدين.
تنشيط الرحلات، وممارسة الهوايات والأنشطة البديلة، كالمطالعة والرياضة والرسم والألعاب الجماعية.
أن تكون الأسرة قدوة لأبنائها في الاستعمال المحكم والمتوازن للهاتف؛ فلا يمكن أن نطلب من الطفل ترك الهاتف بينما يظل الأب والأم منشغلين به طوال الوقت.
التعاون مع الأخصائيين النفسيين والتربويين لمعالجة الحالات المستعصية، خاصة عندما تظهر علامات الإدمان أو الانعزال أو اضطراب السلوك.
تشكيل لجان وهيئات مختصة بمراقبة وتنظيم الفضاء الرقمي، ووضع قوانين ملزمة لحماية الأطفال من المحتويات الخطرة.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
فحماية أطفالنا مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والجهات المختصة.
إن الهاتف ليس عدوًا في حد ذاته، والتكنولوجيا ليست شرًا مطلقًا، وإنما الخطر يكمن في سوء الاستعمال، وفي غياب الرقابة، وفي ترك الطفل يتلقى كل ما يعرض عليه دون توجيه أو تمييز.
فيا أيها الآباء والأمهات، لا تتركوا أبناءكم أسرى للشاشات، ولا تجعلوا الهاتف مربيًا بديلًا عنكم، فإن الطفل أمانة، والأمانة مسؤولية.
أنقذوا أطفالكم قبل فوات الأوان، وامنحوهم وقتًا للحوار، ووقتًا للأسرة، ووقتًا للقراءة، ووقتًا للرياضة واللعب، وازرعوا في قلوبهم الإيمان والقيم والأخلاق؛ فهؤلاء الأطفال هم رجال الغد، وبهم يكون مستقبل الأمة.
قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21].
فصلاح الأبناء ليس مسؤولية الغد، بل مسؤولية اليوم… فأنقذوهم قبل فوات الأوان.