فأس من اوغاريت حين تحولت الأداة إلى وثيقة حضارية

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم آثار  أكاديمي |سوري .
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
ليست هذه الفأس البرونزية المكتشفة في مدينة أوغاريت خلال مواسم التنقيبات الآثرية السايقة مجرد أداة زراعية صامتة أكل الزمن أطرافها بل هي شاهد حيّ خرج من عمق أكثر من ثلاثة آلاف عام ليخبرنا أن هذه المدينة لم تكن مملكة قصور ومعابد وتجارة بحرية فحسب بل كانت أيضاً مملكة حقول وكروم وسواعد فلاحين صنعوا ازدهارها حجراً فوق حجر وسنبلة فوق سنبلة.
وعندما نتأمل هذا الاكتشاف الفريد يلفت انتباهنا ذلك النقش المسماري المقطعي المحفور على جسد الفأس. هنا تتجاوز الأداة وظيفتها العملية لتصبح وثيقة تاريخية تحمل اسماً أو ملكية أو دلالة خاصة ارتبطت بصاحبها. وكأن الفلاح الأوغاريتي أراد أن يترك بصمته على أداته تماماً كما يترك الكاتب اسمه على لوح من الطين. فالحرف في أوغاريت لم يكن حبيس القصور والأرشيفات الملكية بل خرج إلى حياة الناس اليومية ليجاور المحراث والفأس والمنجل في صورة نادرة تعكس انتشار المعرفة والوعي بقيمة الكتابة.
ومن قلب الحقول الممتدة بين البحر وجبل صفون، كانت هذه الفؤوس تشق الأرض التي أنبتت القمح والشعير والزيتون والكرمة والتين. وكانت الزراعة تشكل إحدى الركائز الأساسية لاقتصاد المملكة حتى غدت الحقول الأوغاريتية جزءاً من شبكة واسعة غذّت المدن والأسواق والموانئ وربطت أوغاريت بمحيطها الإقليمي عبر تجارة الحبوب والزيوت والنبيذ.
ولعل أعظم ما تخبرنا به هذه الفأس أنها ليست أثراً لحرب أو صراع بل أثراً للعمل والإنتاج. إنها تذكّرنا بأن الحضارات لا تبنى بالملوك وحدهم بل بالفلاح المجهول الذي استيقظ قبل شروق الشمس وحمل فأسه إلى الحقل وسقى الأرض بعرقه قبل أن ترويها الأمطار.
كل خدش على سطحها هو أثر يدٍ عملت وكل حرف منقوش عليها هو صدى إنسان عاش هنا ذات يوم أحب أرضه وانتظر مواسمها، وفرح بسنابلها الذهبية. ولهذا تبدو هذه الفأس الصغيرة أكبر من حجمها الحقيقي فهي تختصر قصة مجتمع كامل عرف التعدين والكتابة والزراعة والتنظيم الاقتصادي في آن واحد.
وهكذا يا أوغاريت لا تنتهي الحكاية عند أسوارك المتهدمة ولا عند ألواحك المسمارية المحفوظة في المتاحف. فحتى فأسٌ برونزية خرجت من ترابك قادرة على أن تروي فصلاً جديداً من قصة الإنسان الذي صنع حضارتك. ومنك تبدأ الحكاية دائماً.. ولا تنتهي.
صباحك نشيد سلام من حقول أوغاريت ومن سنابلك التي ما زالت تنبت في الذاكرة.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.


.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎