
تضخم الأنا وتغول نرجسية الكاتب: حينَ يَهوي المَبْنَى بسُقُوطِ المَعْنَى
مقال:
تضخم الأنا وتغول نرجسية الكاتب:
حينَ يَهوي المَبْنَى بسُقُوطِ المَعْنَى
مصطفى بوغازي
إن ثقل الكلمة في التاريخ البشري لم يكن يوماً مجرد جرس موسيقي أو زخرفة لفظية، بل كان حمولة أخلاقية وجودية تستمد نورها من جذرها اللغوي الأول؛ فالأديب ما سمي كذلك إلا لأنه يأدب الناس إلى المكرمات، ويجمعهم على المودة، ويتمثل الأدب في سلوكه قبل سطره. غير أن المشهد الثقافي—قديماً وحديثاً—لم يخل من فجوة حادة بين سمو المنجز الفكري وبين انحطاط السلوك الإنساني حين يقع المبدع في صرع “الأنا” ويغرق في نرجسية مقتوتة تحول الإبداع من جسر للتواصل إلى سجن لداء العظمة.
وتشهد سير الفطاحلة عبر العصور أن القامات السامقة حقاً هي التي كلما ارتقت في معارج الفكر، ازدادت انحناءً أمام الحقيقة والإنسانية. فلعلنا نذكر كيف أن الإرث الروائي الأعظم في الخالدات البشرية لم يمنع ليون تولستوي من خلع ثياب الأرستقراطية والخروج إلى الحقول ليعيش كفلاح بسيط ينكر ذاته أمام بؤس المساحيق الاجتماعية. وعلى الهامش ذاته نجد طه حسين، عميد الأدب العربي الذي هز أركان المنهج النقدي، بقى يكتب بلغة تشع خشوعاً أمام العلم، يردد دوماً أنه طالب في محراب المعرفة، وينحني إجلالاً لأساتذته وللكلمة الشريفة. وإذا كان الأديب يصوغ العاطفة، فإن علماء الإنسانية—كألكسندر فليمينغ مكتشف البنسلين، أو لوي باستور—أنقذوا الملايين من الموت المحقق، ومع ذلك لم يدعوا الألوهية الفكرية، بل ظلت حضارتهم المعرفية مقرونة بسمة التواضع العلمي الجميل.
وعلى الضفة الأخرى، تتطاول النرجسية المرضية كداء ينهش أريكة الكاتب، فيتوهم أن العالم يدور في فلك جمله، وأن الإنسانية مدينة له بالوجود. فبالرغم من عبقرية فيكتور هوغو المشهودة في البؤساء، إلا أن معاصريه سجلوا عليه تضخماً حاداً في الأنا حتّى قيل إنه كان يرى نفسه النبي المعصوم الذي لا يقبل النقد، ويعتبر كل قلم يخالفه نوعاً من الكفر بالإبداع. كما يشهد المشهد الثقافي في صور متعددة نماذج يمارسون السلطة الرمزية بعجرفة صلفة؛ يزدرون القراء، ويهينون زملاء المهنة، وبتعاملون مع المنصات والجوائز كأنها حق مكتسب لذواتهم لا لمنجزهم، متناسين أن النص الذي لا يحمل نبض الأخلاق يموت حياً في ذاكرة الناس.
إن القيمة الحقيقية للمنجز الفكري والأدبي لا تقاس بحجم الضجيج الذي يثيره الصلف، ولا بحجم “الأنا” التي ينفخها المادحون. إن السقوط الأخلاقي للكاتب يهدم جسر الثقة بينه وبين القارئ، ويجعل نصوصه مجرد جثث هامدة مكسوة بالبلاغة الميتة. وتبقى النزاهة ودماثة الخلق ونقاء المودة هي المعيار الخالد؛ فالكلمة الطيبة شجرة أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء، لا يسكنها إلا من طهر قلبه من أدران العظمة، وعرف أن أعظم المبادئ أن تكون إنساناً كاملاً قبل أن تكون كاتباً مشهوراً.







