نظرية الكل: رحلة بين العلم والروح والذاكرة المقدسة»

إصدار:

 

«نظرية الكل: رحلة بين العلم والروح والذاكرة المقدسة»

 

مصطفى بوغازي/الجزائر

 

في هذا التلاقي الباذخ بنفحة المكاشفة، تأخذنا الباحثة هناء عيسات في كتابها «نظرية الكل: رحلة بين العلم والروح والذاكرة المقدسة» الصادر عن منشورات رومنس القرن21 للنشر والتوزيع والترجمة، هذا المنجز الذي يحيلنا إلى أفق معرفي مغاير، يتجاوز الثنائيات التقليدية التي طالما فصلت العقل عن الوجدان، والمادة عن الروح. لا تطرح الكاتبة نفسها في هذا النص بوصفها أستاذة في الأكاديمية أو عالمة في مختبرات الفيزياء الكلاسيكية، بل تنبعث من بين السطور كأنها خيميائية معاصرة تخوض تجربة صحوة ذاتية، مستخدمةً القراءة الواعية والتأمل العميق جِسرين للعبور نحو كليات الوجود. يبرز هذا العمل الفكري فريدًا في معماريته؛ فهو يتنقل بسلاسة شاعرة بين ميكانيكا الكم، وعلم الأعصاب، ومفاهيم الطب النفسجسدي من جهة، وبين فيوضات التصوف الإسلامي، وتأملات الهرمسية القديمة، وأسرار الهندسة المقدسة والرموز القرآنية من جهة أخرى، ليصوغ رؤية موحدة تستهدف ردم الفجوة بين استكشاف العالم الخارجي والتحليق في الآفاق الباطنية.

 

​ينفتح الكتاب على طقس تأملي ودعوة لاختبار «فتح التردد»، حيث يصبح التنفس البطيني الساكن والتجذر النفسي مدخلين لا محالة منهما لتصفية الذهن وتهيئته لتلقي المعرفة، ليأخذنا النص بعدها في جولة عميقة عبر الترددات الاهتزازية للمشاعر الإنسانية، مستندًا إلى سلم الوعي لدى ديفيد هوكينز ليبيّن كيف لانكماش الخوف أن يضعف الهالة والجسد، وكيف لسر الحب والسلام أن يرفع التردد الداخلي نحو آفاق الشفاء والإنشاء. وتتداعى صفحات المعرفة الباطنية لتصوّر الخيمياء رمزًا رمزيًا لتسامي الروح، والمصاعب الجسدية رسائل مبطنة تطلب الاستعادة والانسجام، بينما تُقرأ النسبة الذهبية وزهرة الحياة ومكعب ميتاترون بوصفها توقيعات هندسية إلهية منثورة في سائر الخلق، تنتظم في حركة حلزونية دائمة تتماوج من الحمض النووي إلى أعماق المجرات البعيدة. ولا تغفل الكاتبة عن استحضار ذاكرة الماء والأثير بوصفهما حوامل طاقية للمشاعر والكلمات، لتربط كل ذلك بمسعى الفيزياء الحديثة نحو «نظرية الكل» وبالمبادئ الهرمسية السبعة المدونة في الكيباليون. وفي غمرة هذه الرحلة، تستثمر المؤلفة الظواهر الكمومية كالتشابك الكمي وتأثير المراقب لتجلي الحضور الإلهي والوعي الموحد، مُعيدةً قراءة الرموز الدينية والمفاهيم الكبرى — كقصة آدم والجنة والنار والإسلام — قراءة باطنية اهتزازية تجعل من الدين حالة انسجام ورنين مع المصدر الأزل.

 

​يتجلى هذا الكتاب كتابةً عابرة للحدود التصنيفية، إذ يجتمع فيه الشجن الصوفي والمنطق العلمي في سياق لغوي يتسم بالإيحاء والبلاغة والأناقة الأدبية. وإن كانت استعاراته العلمية تتخذ طابعًا مجازيًا لخدمة التجربة الروحية، فإن العمل ينبض بدعوة إنسانية سامية تنبذ أدبيات الخوف والترهيب لتبشر بروحانية قائمة على الحب الأصيل والتزكية الذاتية والوعي الشامل. إنه نص يتردد بين أصالة العرفان وشغف الاكتشاف الكمومي، ويتوزع متعةً بين أدب التنمية الروحية والفلسفة الباطنية والسيرة الوجدانية، ليترك قارئه أمام مرآة شفافة تعيد ترتيب العلاقة بين الفرد، والعقل، والكون، والمصدر الإلهي في نسيج واحد يفيض بالنور والجمال.