
راس ابن هاني حين يبوح البحر باسرار أوغاريت .. المسعود ابن أم هاني حكاية عشق بين البحر والتاريخ وذاكرة الإنسان
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي |سوري
رأس ابن هاني.. حين يبوح البحر بأسرار أوغاريت
المسعود ابن أم هاني..حكاية عشقٍ بين البحر والتاريخ وذاكرة الإنسان..عندما تسمع صوتاً قديمًا ياتيك من تحت ركام التاريخ..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
هناك أمكنة لا يكفي أن تراها العين كي تعرفها ولا تكفي الكلمات كي تصفها لأن للمكان روحًا تسكن تفاصيله وللبحر ذاكرة تختبئ في زرقة مياهه وللصخور حكايات لا يسمعها إلا من جاءها بقلبٍ مفتوح على الدهشة.
هنا على الساحل السوري شمال مدينة اللاذقية بنحو عشرة كيلومترات يمتد رأس ابن هاني أو المسعود ابن أم هاني كما يحلو لأهل المنطقة أن يسمّوه. لسانٌ من الأرض يتقدم نحو البحر كأنه ذراعٌ قديمة تمتد لتعانق الموج أو حارسٌ من زمن بعيد أُوكلت إليه مهمة الإصغاء إلى أسرار المتوسط.
ما أجمل هذا المكان حين تراه من علٍ غاباتٌ تحتضن الرأس وصخورٌ عتيقة تغسلها الأمواج وشواطئ تتدرج فيها زرقة البحر حتى تصير خضرةً شفافة وقوارب صغيرة تتهادى فوق الماء كأنها أحلام صيادين لم يتعبوا من ملاحقة الرزق والأمل.
لكن رأس ابن هاني ليس صورةً جميلة معلّقة على جدار الطبيعة فحسب إنه مكان تتجاور فيه الجغرافيا والتاريخ وتلتقي فيه حياة الناس اليومية بصدى حضارةٍ عريقة ما زالت تنبض في ذاكرة الساحل.
هنا.. لا يبتعد التاريخ كثيرًا عن البحر
على مسافة ثلاثة كيلومترات تقريبًا تقيم أوغاريت المدينة التي تركت للبشرية أبجديتها المسمارية ذات الحروف الثلاثين وفتحت أمامنا نافذةً نادرة على حياة الإنسان في العصر البرونزي.
وما بين أوغاريت ورأس ابن هاني لا تبدو المسافة مجرد طريقٍ يصل موقعًا أثريًا بآخر بل مساحةً من الذاكرة تجمع بين مدينةٍ ملكية عاشت مجدها ورأسٍ بحري شهد تعاقب الأزمنة وتبدّل الوجوه.
في أوغاريت ما زالت الحجارة وألواح الطين تروي أخبار الملوك والتجار والآلهة والبحارة. وفي رأس ابن هاني يواصل البحر روايته بطريقته الخاصة موجة تأتي وأخرى ترحل ورياح تعبر الشاطئ حاملةً شيئًا من رائحة الماضي.
ولعل أجمل ما في المكان أنه لا يفرض عليك أن تتخيل التاريخ بعيدًا عن الحياة فبين زرقة البحر وخضرة الأشجار تشعر أن الحضارة لم تكن يومًا حجارةً صامتة بل كانت إنسانًا يحب ويعمل ويحلم، وسفينةً تشق الماء ويدًا تكتب على الطين وعينًا تتطلع إلى الأفق البعيد.
وعندما تهدأ الريح ويخفّ هدير الموج قد يخيل إليك أنك تسمع نغمةً بعيدة من قيثارة أوغاريتية تتسلل من وراء القرون لا لتخبرك بكل ما حدث بل لتذكّرك بأن هذه الأرض كانت ذات يوم جزءًا من عالمٍ نابض بالتجارة والثقافة والملاحة والحياة.
المسعود ابن أم هاني.. ذاكرة الناس قبل حكايات الكتب..وللمكان حكاية أخرى أكثر حميمية تسكن قلوب أهله قبل أن تسكن صفحات التاريخ.
إنه المسعود ابن أم هاني الاسم الذي يتناقله أبناء المنطقة بمحبة وألفة ويرتبط في ذاكرتهم بالمزار الديني الذي يحمل اسمه. وهنا تتداخل جغرافيا الساحل مع ذاكرته الشعبية وتصبح التسمية أكثر من مجرد اسم لموضع إنها أثرٌ من آثار علاقة الإنسان بأرضه وما ينسجه حولها من حكايات ومعتقدات ومشاعر.
فكم من مكانٍ حفظته ذاكرة الناس لا لأن الملوك أقاموا فيه القصور بل لأن الأجيال تعاقبت على زيارته ولأن اسمه ظل حاضرًا في أحاديث الآباء والأمهات وفي ذاكرة البيوت والطرقات.
وحين ينادي أحد أبناء المنطقة: “المسعود ابن أم هاني” فإنه لا يستحضر موقعًا على الخريطة فحسب بل يستدعي شيئًا من ألفة المكان ومن الحكايات التي التصقت به ومن ذلك الشعور العميق بأن للأرض أسماءها التي لا تُكتب كلها في الكتب بل تُحفظ في الوجدان.
وهكذا تتجاور في رأس ابن هاني ذاكرة الحضارة القديمة وذاكرة المجتمع المحلي لكل منهما لغته ولكل منهما حكايته التي تستحق الإصغاء والاحترام.
قريةٌ تعيش على إيقاع الموج
وفي حضن هذا الرأس البحري تنبض حياة الصيادين ببساطتها الجميلة.
مع الفجر حين ينسل الضوء الأول من وراء الأفق تتحرك القوارب نحو البحر وتستيقظ القرية على أصوات المحركات الخافتة وخطوات الرجال الذين يعرفون أن رزق يومهم ينتظرهم في الماء.
تُفرد الشباك وتُفك الحبال وتمضي القوارب الصغيرة في طريقها المعتاد بينما تبقى العيون معلقةً بها حتى تصغر في البعيد.
كم من أبٍ خرج إلى البحر وفي قلبه دعاء أمٍّ تنتظر عودته وكم من طفلٍ تعلّم من نافذة بيته أن يميّز قارب أبيه قبل أن يميّز أسماء النجوم
هنا لا يبدو البحر مشهدًا للفرجة إنه شريك في الحياة ومصدر رزق ورفيق تعب ومستودع حكايات لا تنتهي. يعرف الصياد تقلّباته كما يعرف ملامح وجه صديق قديم ويقرأ من حركة الريح ما لا تقوله النشرات الجوية ويعود إليه كل يوم رغم ما يحمله من مفاجآت.
أما الميناء الصغير بقواربه المتناثرة على صفحة الماء فله سحر لا تصنعه الأبنية الكبيرة ولا المرافق الفاخرة. يكفي أن تجلس قريبًا منه وأن تراقب حركة الناس حتى تدرك أن جمال المكان ليس في اتساعه بل في صدق الحياة التي تنبض فيه.
في هذه التفاصيل البسيطة تختبئ روح الساحل السوري: كدحٌ ممزوج بالأمل ومحبةٌ للأرض والبحر وذاكرةٌ تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل حرفة الصيد من يد الأب إلى يد الابن.
صخورٌ تحفظ الصمت.. والبحر يواصل الحكاية
وحين تمضي على امتداد الرأس وتقترب من صخوره، تشعر بأن الطبيعة هنا لم تكتفِ بصنع الجمال بل تركت للخيال فسحةً واسعة كي ينسج حكايته.
تشكيلات صخرية وانحناءات ساحلية ونتوءات تواجه البحر في صبرٍ قديم مشهد يجعل الإنسان يتأمل قوة الزمن، وكيف تستطيع المياه والرياح أن تتركا أثرهما في الصخر كما يترك التاريخ أثره في حياة الشعوب.
قد تقف أمام صخرةٍ مطلة على الموج فتتخيل سفينةً قديمة تعبر هذا الساحل أو بحّارًا يراقب اتجاه الريح أو تاجرًا يحمل في سفينته بضائع جاءت من موانئ بعيدة.
لكن التاريخ مهما أغرى الخيال يظل محتاجًا إلى شواهده فما نعرفه من آثار أوغاريت ورأس ابن هاني يمنحنا أساسًا لفهم أهمية هذا الساحل في العالم القديم أما الأصوات والوجوه التي نستحضرها في صمت المكان فهي من نسج التأمل الذي يوقظه فينا.
وهنا تكمن روعة رأس ابن هاني: أنه لا يحتاج إلى أن يخبرك بكل شيء يكفيه أن يضعك أمام البحر ويترك لك فرصة الإصغاء.
حين تغيب الشمس.. يقترب المكان من القلب
أحبُّ رأس ابن هاني في تلك الساعة التي تبدأ فيها الشمس بالانحدار نحو البحر حين يتغير لون الماء وتطول ظلال الأشجار وتبدو القوارب كأنها تستعد للعودة إلى أحضان الشاطئ.
في تلك اللحظات لا يعود المكان مجرد منظرٍ طبيعي يصبح حالةً من السكينة، ومساحةً يتصالح فيها الإنسان مع نفسه ويستعيد شيئًا من طفولته ومن وجوه الذين أحبهم ومن أيامٍ ظن أنها مضت إلى الأبد.
تجلس على صخرةٍ عتيقة وتترك عينيك تلاحقان الأفق. لا تحتاج إلى كثير من الكلام فالموج يتولى الحديث والنسيم يمرّ على وجهك برفق وكأن المكان يعرف تعبك فيمنحك لحظةً من الطمأنينة.
وتتذكر أوغاريت، القريبة إلى هذا الحد من البحر فتدرك أن الحضارة ليست ماضيًا منفصلًا عنا وأن المواقع الأثرية ليست أطلالًا نمرّ بها ثم نغادرها إنها جذورنا الممتدة في الأرض وشهادة على قدرة الإنسان السوري القديم على الإبداع والتواصل وصناعة المعنى.
ومن هنا فإن زيارة رأس ابن هاني ليست نزهةً عابرة فحسب بل فرصة لاكتشاف علاقة الإنسان بمكانه وفهم كيف يمكن للطبيعة والتاريخ والحياة اليومية أن تتعانق في مساحةٍ واحدة.
إنه مكان يستحق أن يُصان جماله وأن تُحفظ بيئته الساحلية وأن تُروى حكايته بصدق وأن يجد مكانه اللائق ضمن مسارات السياحة الثقافية التي تربط شواطئ اللاذقية بذاكرة أوغاريت وآثارها.
فالمكان الذي ورثناه عن أسلافنا ليس ملكًا للحاضر وحده إنه أمانةٌ ينبغي أن تصل إلى الأجيال المقبلة محتفظةً بجمالها وأصالتها وروحها.
هنا.. ما زال البحر يعرف الطريق إلى الذاكرة
يا رأس ابن هاني يا أيها الامتداد الجميل من تراب الساحل إلى زرقة المتوسط كم من الحكايات مرّت بك وكم من الوجوه رحلت وكم من قاربٍ عاد إلى شاطئك محمّلًا بالرزق والتعب والأمل.
أنت المسعود ابن أم هاني في ذاكرة أهلك والرأس البحري الذي يجاور أوغاريت في جغرافيا التاريخ والنافذة التي يطل منها الإنسان على جمال أرضه وعمق جذوره.
فيك شيء من حنان القرية وشيء من صمت الصخور وشيء من أسرار البحر الذي لا يبوح بكل ما يعرفه.
ولعل هذا هو سرّك الذي لا يشيخ: أنك تجمع بين ما تراه العين وما يشعر به القلب بين قارب صيادٍ يعود عند الفجر وحضارةٍ تركت حروفها على ألواح الطين وبين اسمٍ تحفظه ذاكرة الناس وأفقٍ يظل مفتوحًا على ما لا نعرفه بعد.
وإذا جلست يومًا على صخرةٍ من صخورك، وأصغيت إلى الموج وهو يلامس الشاطئ فربما شعرت أن البحر لا يحدّثك عن الماضي وحده بل يوصيك بالمستقبل أيضًا بأن تحب هذه الأرض وتحفظ جمالها، وتصون آثارها، وتروي حكايتها كما تستحق أن تُروى.
فالأمكنة الجميلة لا تطلب منا أن نعجب بها فحسب بل أن نكون أوفياء لها.
وهنا عند رأس ابن هاني، أو المسعود ابن أم هاني يظل البحر مفتوحًا على الحكاية وتظل أوغاريت قريبةً كنبضةٍ قديمة في قلب الساحل السوري.وأتمنى أن تجعل القارئ لا يكتفي برؤية رأس ابن هاني في الصورة المرفقة بل يشعر كأنه يجلس على صخوره ويصغي إلى بحرِه ويتعرّف إلى ذاكرة أهله.
ان
عاشق أوغاريت..غسان القيّم







