ظل الأدب المتكىء على حرف احلام مستغانمي

 

أ.حياة بومعزة كاتبة |جزائرية

قراءة بلا حصانة؛ تلك هي الحالة الوحيدة التي تليق بالوقوف أمام عتبة “أصبحت أنت”. على امتداد سنوات علاقتي بالورق، كان الانحياز لحرف أحلام مستغانمي شغفا
لا يشيخ.
وحالة من الترقب المستمر لكل نص تخطه. لم أكن يوما مجرد متلقيةتعبر سطورها، بل كنت متورطة في تتبع مسار قلمها الذي لطالما قادنا ببراعة نحو متاهات الحنين، والفقد والكبرياء
غير أن هذا الكتاب لم يكن امتدادا لذلك الشغف المألوف، بل كان هزة أربكت كل توقعاتي؛ فما إن فتحت غلافه حتى اكتشفت أنني لا أقرأ، بل أتورط في استعادة روحي المنسية. هنا، لا نبحث عن حبكة روائية أو بطل نترقب مصيره، بل نجد أنفسنا فجأة أمام بوح يجردنا من حصانتنا العاطفية، ويأخذنا في حنين كثيف يوقظ أسئلة الانتماء والغياب، وكأننا على موعد مع استعادة أرواحنا التي تركناها ذات يوم في عهدة من رحلوا.
في “أصبحت أنت”، لا نقف أمام رواية نلتهم صفحاتها، بل أمام مزار سري للذاكرة نخلع على عتباته أحذية المنطق وندخل حفاة إلى محراب الحنين. عندما تتجرد أحلام مستغانمي من أبطالها المتخيلين، وتخلع عباءة السرد الروائي لتكتب بدمع الابنة فإنها لا تروي سيرة والدها فحسب، بل توقظ فينا أوجاعا غافية وتستدعي أرواحا طالما ظننا أننا ودعناها.
هنا، تصاب ذائقة القارئ المواظب على حرف أحلام بدهشة من نوع آخر؛ دهشة العري العاطفي الكامل. لقد تعودنا عليها امرأة تكتب عن لوعة القلوب، والفراق، والكبرياء الأنثوي، لكننا نجدها في هذا النص طفلة تلوذ بظل أبيها، وامرأة ناضجة تكتشف في لحظة تجل مبهرة أن كل هذا العمر من الركض في دروب الكلمات لم يكن إلا صدى لخطواته.
العنوان بحد ذاته ليس مجرد عتبة لكتاب، بل هو شهادة ميلاد، واعتراف صوفي بحالة حلول تامة؛ الابنة التي شربت من كأس أبيها حتى صارت ملامحه تتجلى في حبرها، وانكساراته تتنفس في نبضها، وكبريائه المترفع يصوغ قوام لغتها.
نقرأ هذا العمل متلبسين بحالة من الخشوع اللغوي المطلق، فالنص ينزف صدقا وعاطفة خالصة تأسر الروح. تنساب الجمل كأنها مطر خريفي يغسل الشرفات، محملة برائحة التراب الجزائري الأصيل، وبكبرياء رجل وهب حياته لوطنه ولم ينحن يوما في وجه العواصف. نحن هنا لسنا أمام مرثية تقليدية تبكي الغياب، بل أمام احتفاء مهيب ببقاء الراحلين في نسيج أرواحنا. كل صفحة نقلبها تجعلنا نتحسس وجوهنا، نتساءل عن ملامح آبائنا التي تسللت في غفلة من الزمن إلى ملامحنا، وعن نبرة أصواتهم التي استوطنت حناجرنا، وعن تلك اللحظة الفارقة التي نقف فيها أمام المرآة لنهمس لمن رحلوا: “لقد أصبحنا أنتم”.
إن سطوة أحلام في هذا الكتاب تكمن في قدرتها العجيبة على توريطنا في حنينها الشخصي جدا. هي تحكي عن والدها المناضل، لكننا ونحن نغوص في السطور، نرى آباءنا بوضوح جارح.
نبكي معها خيبات جيل بأكمله، ونعانق في طيات كلماتها طفولتنا البعيدة التي تسربت من بين أصابعنا.
هذه التجربة ليست قراءة، بل هي طقس استعادة؛ استعادة لجذورنا، لهويتنا، ولذلك الارتباط الأسمى والأكثر نقاء والأشد التصاقا بالوجدان.
نغلق الكتاب في النهاية، لا لنعود إلى واقعنا المعتاد، بل لنظل معلقين في تلك المساحة الشفيفة بين الغياب المادي والحضور الروحي الطاغي، مأخوذين بجماليات الوجع وممتلئين بيقين تام بأن الآباء العظماء لا يرحلون بل يذوبون فينا ليعيدوا تشكيلنا من جديد.