
سيمياء الفضاء:من جغرافية الورق إلى طبوغرافيا الروح قراءة نقدية في مقال الأستاذة حياة بومعزة / ظل الأدب المتكىء على حرف احلام مستغانمي/
الدكتور طارق لعرابي كاتب وناقد أكاديمي |جزائري
سيمياء الفضاء: من جغرافية الورق إلى طوبوغرافيا الروح
(قراءة نقدية موسعة في مقال الأستاذة حياة بومعزة: “ظل الأب المتكئ على حرف أحلام مستغانمي”)
تُحيلنا الأستاذة حياة بومعزة في مقالها الباذخ إلى ما أسماه غاستون باشلار بـ “جماليات المكان”، لكنها تأخذنا إلى بُعد أعمق؛ حيث لا يُعد المكان حيزاً فيزيائياً، بل هندسة وجدانية. في قراءتها العميقة لكتاب “أصبحت أنت”، تُعطل الكاتبة أدوات النقد التقليدية التي تقيس (الزمن الروائي) أو (تسلسل الأحداث)، لتعتمد على “سيمياء الفضاء”؛ فتُحوّل فعل القراءة من انتقالٍ أفقي على “جغرافية الورق” إلى غوصٍ عمودي في “طوبوغرافيا الروح”.
يمكننا تفكيك هذه الهندسة الفضائية في النص عبر المحطات المعمارية التالية:
1. هندسة العتبات والعبور الأنطولوجي:
يبدأ النص بتأسيس مكاني صارم: “الوقوف أمام عتبة (أصبحت أنت)”. العتبة سيميائياً هي “البرزخ” الفاصل بين عالمين: عالم الواقع الخارجي (المنطق والحصانة)، وعالم النص الداخلي (الحنين والهشاشة). لا تتعامل الكاتبة مع الكتاب كدفتين تُفتحان، بل كـ “باب” يُشرع على الذات. تؤكد هذا المعنى بقولها: “فما إن فتحت غلافه حتى اكتشفت أنني لا أقرأ، بل أتورط في استعادة روحي المنسية”. الغلاف هنا فقد وظيفته المادية وتحول إلى بوابة عبور (Portal) نحو الذاكرة.
2. المعمار المقدس (المزار والمحراب):
تصل “سيمياء الفضاء” إلى ذروتها الروحية حين تُعيد الكاتبة تصميم الفضاء النصي ليصبح فضاءً قدسياً: “أمام مزار سري للذاكرة نخلع على عتباته أحذية المنطق وندخل حفاة إلى محراب الحنين”.
هنا تكتمل “طوبوغرافيا الروح”؛ فالنص لم يعد كتاباً، بل تحول إلى “مزار” (مكان للزيارة واستحضار الغائبين) و”محراب” (مكان للانقطاع والتجرد). هذا الفضاء يفرض على زائرة “طقوس عبور” صارمة؛ فلا يمكن دخوله بحذاء “المنطق” المادي، بل يتطلب السير “حفاة”، وهو تعبير سيميائي عن التخلي الكامل عن آليات الدفاع النفسي والعقلاني، والتسليم المطلق لسلطة الوجع.
3. تضاريس التيه (متاهات الحنين):
في مقابل الفضاءات المغلقة والمقدسة (المحراب)، ترسم الكاتبة فضاءات مفتوحة لكنها متعرجة: “متاهات الحنين، والفقد”. المتاهة فضائياً تعني غياب الخط المستقيم (السرد التقليدي)، وتُعبر سيكولوجياً عن حالة الضياع العاطفي الذي يعيشه فاقد الأب. أنت في هذه المتاهة لا تبحث عن مخرج، بل تبحث عن “نفسك” التي تماهت مع الغائب.
4. الانزياح الفضائي المفتوح (الشرفات ورائحة التراب):
لا تبقينا الكاتبة في الفضاءات المغلقة للذات، بل تفتح النوافذ ببراعة تصويرية: “تنساب الجمل كأنها مطر خريفي يغسل الشرفات، محملة برائحة التراب الجزائري”.
الشرفة هنا فضاء بيني (بين الداخل والخارج)، والمطر والتراب يربطان “طوبوغرافيا الروح” الفردية بـ “جغرافية الوطن” الأوسع. هذا التوظيف المكاني يذكرنا بأن الأب المفقود هنا لم يكن مجرد أب عادي، بل “رجل وهب حياته لوطنه”، فكان لزاماً على الكاتبة أن توسع فضاء مقالها ليشمل رائحة تراب هذا الوطن.
5. فضاء المواجهة (المرآة):
تُهندس الكاتبة نهاية رحلتها المكانية في أضيق فضاء ممكن وأكثره كثافة: “نقف فيها أمام المرآة لنهمس لمن رحلوا: لقد أصبحنا أنتم”. المرآة ليست فضاءً فيزيائياً، بل هي فضاء “انعكاسي” (Reflective Space). المكان الوحيد الذي تذوب فيه المسافة بين الغائب والحاضر هو هذا المسطح الزجاجي الذي يقدم لنا الحقيقة النهائية: جغرافية وجهنا لم تعد ملكنا، بل احتلتها تفاصيل الغائبين.
6. الفضاء الشفيف (البرزخ الختامي):
في الخاتمة، تُغلق الكاتبة الدفتين، لكنها تؤكد أننا لا نغادر الفضاء النصي: “نغلق الكتاب في النهاية.. لنظل معلقين في تلك المساحة الشفيفة بين الغياب المادي والحضور الروحي الطاغي”.
هذه “المساحة الشفيفة” هي أسمى ابتكارات الكاتبة الفضائية. إنها منطقة “اللا-مكان”، حيث ينعدم الحضور المادي للأب، لكن يطغى حضوره الروحي.
خلاصة:
لقد أثبتت الأستاذة حياة بومعزة في مقالها أنها لا تمارس النقد بمسطرة اللغة فقط، بل بريشة المهندس المعماري العارف بأسرار الروح. لقد حولت الكلمات إلى جدران وعتبات ومحاريب، وأخذت بيد القارئ في رحلة فضائية مذهلة، تبدأ بـ “جغرافية الورق” المألوفة، لتنتهي به تائهاً متطهراً في “طوبوغرافيا روحه” المنسية.
ظل الأب المتكئ على حرف أحلام مستغانمي
أ.حياة بومعزة
الجزائر
قراءة بلا حصانة؛ تلك هي الحالة الوحيدة التي تليق بالوقوف أمام عتبة “أصبحت أنت”. على امتداد سنوات علاقتي بالورق، كان الانحياز لحرف أحلام مستغانمي شغفا لا يشيخ، وحالة من الترقب المستمر لكل نص تخطه. لم أكن يوما مجرد متلقية تعبر سطورها، بل كنت متورطة في تتبع مسار قلمها الذي لطالما قادنا ببراعة نحو متاهات الحنين، والفقد والكبرياء.
غير أن هذا الكتاب لم يكن امتدادا لذلك الشغف المألوف، بل كان هزة أربكت كل توقعاتي؛ فما إن فتحت غلافه حتى اكتشفت أنني لا أقرأ، بل أتورط في استعادة روحي المنسية. هنا، لا نبحث عن حبكة روائية أو بطل نترقب مصيره، بل نجد أنفسنا فجأة أمام بوح يجردنا من حصانتنا العاطفية، ويأخذنا في حنين كثيف يوقظ أسئلة الانتماء والغياب، وكأننا على موعد مع استعادة أرواحنا التي تركناها ذات يوم في عهدة من رحلوا.
في “أصبحت أنت”، لا نقف أمام رواية نلتهم صفحاتها، بل أمام مزار سري للذاكرة نخلع على عتباته أحذية المنطق وندخل حفاة إلى محراب الحنين. عندما تتجرد أحلام مستغانمي من أبطالها المتخيلين، وتخلع عباءة السرد الروائي لتكتب بدمع الابنة فإنها لا تروي سيرة والدها فحسب، بل توقظ فينا أوجاعا غافية وتستدعي أرواحا طالما ظننا أننا ودعناها.
هنا، تصاب ذائقة القارئ المواظب على حرف أحلام بدهشة من نوع آخر؛ دهشة العري العاطفي الكامل. لقد تعودنا عليها امرأة تكتب عن لوعة القلوب، والفراق، والكبرياء الأنثوي، لكننا نجدها في هذا النص طفلة تلوذ بظل أبيها، وامرأة ناضجة تكتشف في لحظة تجل مبهرة أن كل هذا العمر من الركض في دروب الكلمات لم يكن إلا صدى لخطواته.
العنوان بحد ذاته ليس مجرد عتبة لكتاب، بل هو شهادة ميلاد، واعت







