
رويدك ياقلبي فقد ٱن اوان الفجر
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي |سوري
رويدك يا قلبي.. لا تُخفض جناحيك أمام ريحٍ عابرة ولا تظن أن الأضلاع خُلقت لتكون أسواراً حولك. فأنت لم تُخلق أسيراً ولم تهبط إلى هذه الحياة كي تتقن الخوف بل جئت من دهشة الخلق الأولى من رعشة البحر حين يلامس الشاطئ ومن أنفاس الأرض حين يوقظها المطر.
يا قلبي أتذكر أوغاريت؟..
هناك حيث ما زال الطين يحتفظ بحرارة الأصابع التي عجنته وحيث تنام الحروف في أحضان الألواح كأنها تنتظر فجرها الثاني.
تعلّمت أن ما تصنعه المحبة لا تهزمه القرون وأن الإنسان يستطيع أن يترك صوته للأبد ولو غاب جسده تحت تراب الزمان.
كم من قلبٍ مرّ من هنا وكم من عاشقٍ أشعل قنديله في محراب الحياة ثم مضى وبقيت أغنيته.
فلا تحبسوا قلبي في أقفاص الصمت دعوه يمضي إلى النور يعانق الريح ويصغي إلى البحر ويبحث عن الجمال في وجوه الناس وفي عناقيد الزيتون وفي سنابل القمح التي تنحني ولا تنكسر.
دعوه يرتجف إن شاء فربما كان الارتجاف أولى نغمات الحياة وليبكِ إن أثقله الحنين فربما كانت دموعه مطراً تحتاجه أرض الروح.
يا بعل أيها الممسك بأسرار المطر أرسل إلى هذا القلب غيمةً من رحمتك ويا عناة.. يا سيدة الينبوع والقوة علّميه كيف يحب دون أن يخشى الفقد وكيف يظل واقفاً ولو أوجعته الطريق.
فأنا لا أريد قلباً لا يتألم بل قلباً لا يفقد قدرته على الحب ولا أريد حياةً بلا عواصف بل روحاً تعرف كيف تعبرها دون أن تتخلى عن أغنيتها.
رويدك يا قلبي.. إن فيك بقيةً من فجر أوغاريت وفي نبضك شيءٌ من حكايات الذين نقشوا أسماءهم على الطين ورحلوا تاركين لنا سرّاً واحداً:
أن الإنسان لا يُقاس بما امتلك بل بما أحبّ ولا بما خاف أن يخسره بل بما امتلك من شجاعةٍ ليظل حراً.
ولذلك القلب الذي ما زال يعرف كيف يصغي إلى همس الطين ويستعيد من ذاكرة أوغاريت دفءَ الحكايات الأولى.
ما أجمل أن يبقى في الإنسان قلبٌ لا تُهرمه السنوات ولا تُطفئه العواصف قلبٌ يعرف أن الحب ليس مجرد شعور بل طريقة في العيش والوفاء والانتماء.
فبعض القلوب لا تكتب عن التاريخ.. بل تصبح جزءاً من ذاكرته.
عاشق أوغاريت..غسان القيّم







