
نبض القيم |فاطمة البلوشي
نبضُ القيم
فاطمة البلوشي / سلطنة عمان
كان للكبير هيبته وللوالدين مكانتهما، وللمعلم احترامه، وكانت كلمة الرجل والمرأة عهدًا لا يُنقض، وكانت المجالس عامرة بالذكر، والقرآن، والحكايات الجميلة، وتبادل النصيحة، وصلة الرحم، وأما اليوم فقد تغيرت الحياة كثيرًا، نعم أصبحنا نعيش في بيوت أجمل، ونركب سيارات أحدث، ونملك وسائل راحة لم يكن الآباء يحلمون بها، ولكننا في المقابل خسرنا شيئًا ثمينًا لا يُشترى بالمال، وهو دفء العلاقات الإنسانية.
أصبحت وسائل التواصل تُقرِّب البعيد، لكنها في أحيان كثيرة أبعدت القريب، يجلس أفراد الأسرة في بيت واحد، وكلٌّ منهم منشغل بهاتفه، وقلّت الزيارات، وضعفت صلة الجيران، وأصبح اللقاء يحتاج إلى موعد، بعد أن كان يحدث بعفوية ومحبة، ولسنا نشتاق إلى الماضي لأنه كان خاليًا من المشقة وإنما لأن النفوس كانت أنقى، والقلوب كانت أصفى، والرحمة كانت تسكن البيوت، والاحترام يجمع الصغير بالكبير، والغني بالفقير.
يبقى الماضي صفحةً مضيئةً في ذاكرتنا، نستمد منها القيم الجميلة، وليس المطلوب أن نعود إلى حياة الأمس بكل تفاصيلها، وإنما أن نعيد إليها أخلاقها، وتراحمها، وصلة أرحامها، واحترام الجار، وحب الخير للناس، فبذلك فقط نستطيع أن نجمع بين تطور الحاضر وجمال الماضي، ورحم الله أيامًا كانت البساطة فيها عنوان السعادة، وجعل أيامنا القادمة مليئة بالمحبة، وصلة الرحم، وصفاء القلوب، وأن يرزق أبناءنا وأحفادنا أخلاق الآباء والأجداد، فهي أعظم ميراث يمكن أن نورثه للأجيال.
ومن أجمل المحطات التي أعتز بها في حياتي، أنني اخترت أن أهب جزءًا من وقتي وجهدي لخدمة المجتمع من خلال الأعمال الخيرية والتطوعية، إيمانًا مني بأن الإنسان لا تُقاس قيمته بما يملك وإنما بما يقدمه من خير للآخرين، ولقد وجدت في العمل التطوعي رسالة سامية، وسعادة لا يمكن وصفها بالكلمات، فكل يدٍ امتدت لمساعدة محتاج، وكل دمعة حزن تحولت إلى ابتسامة، وكل دعوة صادقة خرجت من قلب إنسان، كانت بالنسبة لي أعظم مكافأة وأغلى وسام.
رأيت السعادة تسكن قلبي قبل أن أراها في وجوه الآخرين، وشعرت بلذة العطاء التي لا تضاهيها لذة، فأجمل ما في الحياة أن تكون سببًا في إدخال السرور إلى قلب إنسان، أو في تفريج كربة، أو في رسم الأمل على وجه من أنهكته ظروف الحياة، واليوم أقف بكل فخر وامتنان، أحمد الله تعالى على ما وفقني إليه، وأفتخر بالتربية الأصيلة التي نشأت عليها في كنف والديَّ الكريمين، فقد غرسا في نفسي حب الخير، والعطاء، والتواضع، وخدمة الناس دون انتظار مقابل.
أحرص دائمًا على أن أرسم البسمة على وجوه من أعرف ومن لا أعرف، لأنها جزء من سر سعادتي في هذه الحياة، وأسعى لأن يكون لي أثر طيب وبصمة جميلة تبقى بعد رحيلي، فيذكرني بها من عرفني، ويدعو لي بظهر الغيب، ويستمر ثواب عملي وأثره في الوصول إليّ بعد أن أغادر هذه الدنيا، وأسأل الله أن يحفظ أبي وأمي، وأن يمدهما بالصحة والعافية، وأن يجزيهما عني خير الجزاء، وأن يجعلهما سندًا وذخرًا لي ما دامت الحياة، فما أنا إلا ثمرة من ثمار غرسهما الطيب، وما أقدمه للمجتمع هو جزء يسير مما تعلمته منهما من مكارم الأخلاق وحب الخير للجميع.







