
النزاهة الرياضية في كأس العالم 2026 بين الحوكمة وتحديات الفساد| أحمد بوسكرة
الاستاذ الدكتور أحمد بوسكرة
استاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة مسيلة -الجزائر
بمناسبة إحياء اليوم الإفريقي لمكافحة الفساد، الموافق لـ11 جويلية، تحت شعار “تعزيز الترويج للنزاهة وتدابير مكافحة الفساد في إفريقيا”، تتجه الأنظار إلى مختلف القطاعات لترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية، ولا يمكن استثناء الرياضة من هذا التوجه، بعدما أصبحت صناعة عالمية تؤثر في الاقتصاد والمجتمع وصورة الدول. فالرياضة اليوم لم تعد مجرد منافسة داخل الملاعب، بل أصبحت منظومة متكاملة تقوم على الحوكمة الرشيدة، والشفافية، والمساءلة، وحماية العدالة وتكافؤ الفرص، وهي المبادئ التي تمثل حجر الأساس لبناء مؤسسات رياضية قوية ومستدامة.
وقد شكلت كأس العالم 2026 محطة تاريخية في مسار تطوير إدارة المنافسات الرياضية، من خلال الاعتماد الواسع على الذكاء الاصطناعي، وتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، ونظام التسلل شبه الآلي، وتحليل البيانات الضخمة، وهي أدوات هدفت إلى تقليل الأخطاء التحكيمية وتعزيز العدالة داخل الملعب. وقد اعتُبرت هذه الخطوات تطورًا مهمًا في تطبيق مبادئ الحوكمة الرياضية، لأنها وفرت للحكام وسائل أكثر دقة لاتخاذ القرارات.
غير أن هذا التطور التقني، رغم أهميته، لم ينهِ الجدل حول النزاهة الرياضية، بل فتح نقاشًا عالميًا واسعًا حول مدى قدرة التكنولوجيا وحدها على ضمان العدالة الكاملة. فقد شهدت البطولة عددًا من الوقائع التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول استقلالية القرار الرياضي، وشفافية المنظومة التحكيمية، ومدى قدرة المؤسسات الرياضية الدولية على المحافظة على ثقة الجماهير والمنتخبات.
ومن أكثر المباريات إثارة للجدل، المواجهة التي جمعت الجزائر بالأرجنتين، حيث احتجت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم على عدد من القرارات التحكيمية، وفي مقدمتها اللقطة المتعلقة بتدخل ليونيل ميسي على المدافع الجزائري عيسى ماندي، والتي رأى عدد من المحللين والحكام السابقين أنها كانت تستوجب بطاقة حمراء، بينما لم يتخذ الحكم هذا القرار. وقد أعادت هذه الحالة النقاش حول مدى اتساق تطبيق قوانين اللعبة، ومدى قدرة تقنية VAR على تحقيق العدالة في جميع الحالات.
كما أثارت مباراة الأرجنتين ومصر جدلًا مشابهًا، بعد اعتراض المنتخب المصري على بعض القرارات التحكيمية، من بينها إلغاء هدف رأى مسؤولون ومحللون أنه كان صحيحًا، وعدم اللجوء إلى تقنية VAR في لقطة اعتبرها المنتخب المصري مستحقة لركلة جزاء، وهو ما دفع الاتحاد المصري لكرة القدم إلى تقديم شكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم. وقد أبرزت هذه الواقعة أن الاختلاف في تفسير الحالات التحكيمية قد يتحول إلى أزمة ثقة إذا لم يصاحبه تواصل واضح وشفاف مع الرأي العام.
ومن الوقائع التي استقطبت اهتمامًا عالميًا أيضًا، قضية رفع الإيقاف عن المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون بعد البطاقة الحمراء التي تلقاها. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه تواصل مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، مطالبًا بمراجعة القرار، ثم نشر رسالة شكر بعد رفع الإيقاف. ورغم تأكيد الاتحاد الدولي أن القرار اتُّخذ وفق الإجراءات القانونية واللوائح المعتمدة، فإن هذه الواقعة أثارت موجة واسعة من التعليقات، وذهب بعض المحللين إلى التساؤل حول مدى تأثير الضغوط السياسية في بعض القرارات الرياضية. وبغض النظر عن صحة هذه التأويلات، فإن مجرد تداولها يكشف أهمية أن تكون القرارات الرياضية مستقلة وشفافة وقابلة للتفسير أمام الرأي العام.
ولم تتوقف النقاشات عند هذه الحالات، بل امتدت إلى اعتراضات على بعض التعيينات والقرارات التحكيمية في مباريات أخرى، وهو ما يؤكد أن قضية النزاهة الرياضية أصبحت من أكثر القضايا حضورًا في البطولات العالمية، وأن الجماهير لم تعد تكتفي بوجود التكنولوجيا، بل أصبحت تطالب أيضًا بالشفافية في تفسير القرارات وتعزيز المساءلة داخل المنظومة الرياضية.
ومن منظور الحوكمة الرياضية، فإن النزاهة لا تعني غياب الفساد فحسب، بل تعني أيضًا بناء منظومة قادرة على كسب ثقة جميع الأطراف، من خلال استقلالية القرار، ووضوح الإجراءات، والشفافية في تفسير القرارات، والمساءلة عند وقوع الأخطاء. فكلما ارتفعت ثقة الجماهير والمنتخبات في المؤسسات الرياضية، ازدادت قوة البطولات ومصداقيتها على المستوى الدولي.
وفي هذا السياق، تبدو إفريقيا اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بجعل النزاهة الرياضية جزءًا من مشروعها الإصلاحي في مجال الرياضة. فمكافحة الفساد الرياضي لا تقتصر على محاربة الرشوة أو التلاعب بالنتائج، بل تشمل أيضًا ترسيخ مبادئ الحوكمة، واستقلالية الهيئات الرياضية، وشفافية القرارات، وتعزيز ثقة الرياضيين والجماهير في مؤسساتهم. ومن هنا، فإن إحياء اليوم الإفريقي لمكافحة الفساد يمثل فرصة للتأكيد على أن مستقبل الرياضة الإفريقية يرتبط بقدرتها على بناء منظومة رياضية عادلة، شفافة، ومستقلة.
إن الدرس الأهم الذي قدمته كأس العالم 2026 هو أن النزاهة الرياضية لا تتحقق بالتكنولوجيا وحدها، ولا بالقوانين وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تقوم على الحوكمة الرشيدة، والشفافية، والمساءلة، واستقلالية اللجان التحكيمية والانضباطية، والتواصل المستمر مع الجماهير ووسائل الإعلام.
ويبقى الدرس الأكبر من كأس العالم 2026 أن نجاح البطولات العالمية لم يعد يقاس فقط بجودة التنظيم أو قوة المنافسة أو حجم العائدات الاقتصادية، بل أصبح يقاس أيضًا بقدرة المؤسسات الرياضية على ترسيخ الثقة في عدالة المنافسة واستقلالية القرار الرياضي. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها حماية النزاهة الرياضية، ما لم تُدعَّم بحوكمة رشيدة، وشفافية حقيقية، ومساءلة فعالة، وثقافة مؤسسية تجعل العدالة قيمة تُمارس قبل أن تكون شعارًا يُرفع. فالنزاهة الرياضية ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي رأس المال الحقيقي للمؤسسات الرياضية، والضمان الأساسي لاستمرار ثقة الجماهير، والأساس الذي تُبنى عليه مصداقية الرياضة ومستقبلها.
مراجع مقترحة
الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، مدونة أخلاقيات الفيفا (FIFA Code of Ethics).
الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، لوائح الحوكمة (FIFA Governance Regulations).
مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB)، قوانين اللعبة 2025–2026.
اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC).
اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته.





