
حين نكتب ليبقى الاثر(2)وشم على جبين الأبد|طه دخل الله عبد الرحمن
كاتب وناقد|فلسطيني
ثمّة لحظةٌ فارقة في حياة كلّ كائن، يتجرّد فيها من زبدته البيولوجية العابرة، ويكتشف أنه ليس مجرّد جسدٍ يسعى للبقاء، ولا مجرّد اسمٍ سيسقط من ذاكرة أبنائه بعد جيلين أو ثلاثة، بل هو فكرةٌ تبحث عن جسد، وروحٌ تسعى إلى التحرّر من قفصها الزمني لتذوب في روح هذا الوجود الواسع. في هذه اللحظة بالتحديد يولد الأديب، ويبزغ المثقف، وينهض صانع الأثر؛ لا بوصفه صاحب مهنة، بل بوصفه نبيَّ مملكته الداخلية، وكاهن ذلك المحراب الخفيّ الذي تقدَّس فيه الكلمة، وتُحرق فيه الذاتُ الفانية قرباناً لذاتٍ أوسع لا يطويها الموت. الأثر الأدبي والثقافي، حين يتجلى في أبهى صوره، لا يكون مجرد إضافة إلى رصيد الحضارة، بل هو الحضارة ذاتها في طور تكوينها الأبديّ المستمر، هو الدم الذي يجري في شرايين الذاكرة الجمعية، والهواء الذي تتنفسه أجيالٌ لم تُخلق بعد، كي تعرف أن ثمة معنى يسبقها، وثمة يقيناً ينتظرها، وثمة وطناً من نور يمكنها أن تنتمي إليه.
إن الأديب الحقيقي لا يكتب ليُقرأ، هذه هي الحقيقة الملتهبة التي لا يحتملها أهل الصنعة والمتاجرون بالحرف. إنه يكتب ليهمس في أذن الليل البهيم، ليمسك بيد ذلك القارئ المجهول الجالس على حافة يأسه الأخير، ليقول له بلسان لا تسمعه الأذن ولكن تلتقطه الروح: “لست وحدك، فقد مررت من هنا قبلك، وهذا دربي المرصوف بالجروح، فامشِ عليه واثقاً”. هنا يتحول الأدب من نصوص تُتلى إلى دمٍ يجري في عروق قارئ لم يلتقِ بالكاتب قط، إلى خريطة سرية لروح تائهة، إلى وشم لا يُمحى على جلد الزمن. الأثر العميق هو ذلك الذي يخترق طبقات الوعي السطحية ليستقر في منطقة ما قبل اللغة، في ذلك الفراغ البدئي حيث تتشكل الرؤى الأولى للإنسان عن الحب والموت والعدالة والجمال. كم من جملة واحدة في رواية، أو بيت واحد في قصيدة، أو فكرة طائشة في مقال، أعادت تشكيل تضاريس روح بأكملها، وجعلت إنساناً يرى العالم بعينين جديدتين، ويتنفس هواءً لم يكن يعرف أنه موجود قبل أن تلمسه كلمةٌ طائشة من كاتب راحل.
أما الأثر الثقافي في جوهره الأعمق، فهو ليس ما نتعلمه في المدارس ولا ما نضعه في المتاحف، بل هو تلك الطبقة الجيولوجية الخفية التي تترسب في قاع الوعي الجمعي عبر القرون، مكونةً القارة التي نقف عليها جميعاً دون أن ندري. إنه الجدّ الذي علّم ابنه ألّا يقطع شجرةً ظلَّلها أسلافه، فتحولت هذه الوصية بعد ألف عام إلى دستور أخلاقي غير مكتوب يحمي غابةً بأكملها. إنه المرأة العجوز التي كانت تروي الحكايات على ضوء القنديل، فزرعت في أحفادها صوراً أولى للخير والشر، وللبطولة والجبن، فإذا بهذه الصور بعد قرون تتجسد في ثوراتٍ ودساتيرَ وملاحم. الثقافة بهذا المعنى ليست وعاءً نحمله، بل هي النهر الذي يحملنا، وكلُّ من يلقي في هذا النهر قطرةً من حكمته، أو ومضةً من رؤياه، فإنه يصنع أثراً لا يُحصى ولا يُحدّ، أثراً يتوزع على ملايين الأرواح في صمت، كما يتوزع ضوء الشمس على الأوراق فلا تدري ورقةٌ بعينها من أين جاءها هذا الدفء، ولكنها جميعاً تخضرّ وتزدهر.
وفي العمق الأكثر سحيقاً، يتعلق الأمر كله بذلك الصراع الأزلي بين الفناء والمعنى. نحن كائنات مبتلاة بالوعي، ندرك أننا سنموت، وأن كل ما نحبه سيذوي، وأن الزمن يأكل أبناءه بلا رحمة. هذا الإدراك هو لعنتنا وهو معجزتنا في آن. الأثر الأدبي والثقافي هو طريقتنا الوحيدة للغش في لعبة الموت، للاحتيال على هذه النهاية المحتومة. ولكن ليس بالمعنى الطفولي للخلود الشخصي، بل بطريقة أعمق وأكثر نبلاً: أن تدرك أن ذاتك الفردية ليست هي ما يستحق البقاء، بل تلك الشعلة التي اشتعلت فيك للحظة، تلك الرؤية التي وهبتْك إياها الحياة، ذلك المعنى الفريد الذي لم يتجلَّ في الكون إلا من خلال عينيك أنت بالذات. إنها اللحظة التي تكتشف فيها أنك لست مالكاً لموهبتك، بل أنت قيّمٌ عليها، حارسٌ مؤقت لسرٍ كوني، ودورك أن توصله نظيفاً نقياً كما وصل إليك، بل وأعمق وأجمل إن استطعت، لتسلمه بدورك إلى الحارس التالي في سلسلة النور الممتدة منذ أول كلمة قالها إنسان، وحتى آخر همسة سينطق بها الوجود.
وهكذا نقترب من الجوهر: الأثر الحقيقي ليس ما نصنعه بإرادتنا الظاهرة، بل ما يصنعه فينا الوجود حين نكون على درجة كافية من الصفاء والصدق. إنه ليس صوتنا نحن، بل صوت الحياة وهي تمرّ من خلالنا، بعد أن نكون قد طهرنا أنفسنا من ضجيج الأنا، ومن شهوة الظهور، ومن وهم الامتلاك. الأديب العظيم ليس من يكتب ما يريد، بل من يصغي طويلاً لذاك الصوت الخفيّ، ثم يمحو نفسه من المعادلة ليصبح مجرد واسطة شفافة بين الأعماق والسطح، بين الغيب والشهادة. وحين يحدث ذلك، يصبح الأثر المتروك أشبه بنجمة في سماء الروح الإنسانية، قد تمرّ قرون قبل أن يراها أحد، وقد يراها الملايين فلا يفهمونها، ولكنها تبقى هناك، تشير إلى اتجاه لا يعرفه إلا التائهون الباحثون عن معنى. وحين يلمع ذلك النجم في ليلة حالكة لمسافر وحيد، فيهديه إلى طريقه، أو إلى سكينته، أو إلى دمعته المطهِّرة، حينها يكتمل المعنى، وتنتصر الحياة على العدم، ويُكتَب على جبين الأبد وشمٌ جديد، هو أنت، وقد صرت أكثر منك، صرت أثراً.
27/07/2026







