سؤال المعنى والعبث الحيثيات والمٱل(اقدم لك سيوران |كامو)| حيدر الأديب

كاتب وناقد |عراقي

أقدم لك سيوران / كامو
سؤال المعنى والعبث
الحيثيات والمآل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دعني ابدأ هكذا
((كامو يحمل الصخرة، وسيوران يهدم الجبل)

يمكن وصف سيوران بالعبثي هذا إذا قصدنا المناخ العام لفكرة: انهيار الغاية، ثقل الوعي، حضور الموت، الشك في الخلاص، النظر إلى التاريخ باستنزافا متواصلا. أما إذا قصدنا العبث مفهوما فلسفيا مضبوطا كما صاغه كامو، فسيوران يقف في أرض أخرى. كامو يؤسس فلسفة للعبث، وسيوران يفكك قدرة الفلسفة على تأسيس أي موقف مستقر.
العبث عند كامو يولد من علاقة محددة: الإنسان يطلب من العالم وحدة وغاية وتفسيرا، والعالم لا يستجيب. يقودنا هذا الى حصد نتيجة مهمة لدى كامو هي انه علينا لا نفكر او نبحث عن مصدر العبث في الانسان منفردا او الكون منفردا ويقرر ان العبث يقع في الاصطدام بين التطلع الإنساني وصمت الواقع وينتهي كاموا الى واقعية ذاتية بسلامة أصل سؤاله
سيوران يذهب إلى مستوى أسبق. يتجاوز صمت العالم، ويضع موضع الشك الكائن الذي ينتظر من العالم جوابا. لا يسال سيوران لماذا لا نجد معنى فلطالما وقف ضد هذا ساخرا وداحضا، ويتشكل وعي سيوران على سؤال أعمق هو لماذا ظهر الوعي الذي يحتاج إلى معنى كي يحتمل الحياة؟
في أسطورة سيزيف يحاول كامو إنقاذ الإنسان من النتيجة العدمية. ما دام المعنى الكوني غائبا عن إدراكنا، يستطيع الإنسان أن يعيش بوعي كامل، وأن يرفض الانتحار، وأن يحول استمراره إلى تمرد. سيزيف لا يغير عقوبته، ويغير علاقته بها. وعيه بالمصير يمنعه من أن يكون مجرد موضوع في يد الآلهة. لهذا يحتفظ كامو بثلاث قيم واضحة: الحرية، والتمرد، وكثافة الحياة.
سيوران لا يثق بهذا الإنقاذ. سيقول إن تحويل الوعي بالعقوبة إلى انتصار قد يكون تعزية جديدة ابتكرها الإنسان كي يحتمل هزيمته. الصخرة ما زالت تهبط، وسيزيف ما زال يعود، وتسميته سعيدا لا تغير بنية العقوبة. يهب كامو الوعي قوة تحريرية، ويرى سيوران أن الوعي هو الذي يجعل العقوبة غير محتملة أصلا. لو كان سيزيف بلا وعي لما أصبح مصيره قضية فلسفية.
الفرق بينهما متصلا بمكانة التمرد. عند كامو، التمرد جواب أخلاقي على العبث. حين يقول الإنسان «لا» للذل، يثبت أن فيه قيمة لا يجوز انتهاكها. ومن هذا الرفض ينتقل كامو إلى التضامن: ما أرفضه لنفسي يجب أن أرفضه للآخرين. هكذا يحاول أن يؤسس أخلاقا من داخل عالم بلا غاية مضمونة.
سيوران لا يثق بإمكان استخراج أخلاق عامة من السقوط. التمرد لديه قد يكون صورة أخرى من غرور الحياة، ومحاولة لتأجيل الاعتراف بأن الوجود لم يقدم سببا كافيا للدفاع عنه. لا يدعو إلى الجريمة أو اللامبالاة الأخلاقية، ولا يبني من اليأس قاعدة مشتركة للبشر. كتابته تظل فردية، شذرية، موجهة إلى كشف الأوهام التي يحتاج إليها الإنسان كي يستمر.
الفرق يظهر أيضا في موقفهما من الانتحار. كامو يرفضه فلسفيا لأن قتل النفس يلغي أحد طرفي العبث. الانتحار عنده استسلام، بينما البقاء فعل مقاومة. سيوران يتعامل مع الانتحار بطريقة أشد التواء. فكرة إمكان الرحيل تمنح الإنسان قدرا من السيادة على حياته. يستطيع أن يؤجل موته لأنه يعرف أن الباب قائم. لذلك لا يصير الانتحار عنده حلا، ويصير إمكانا نفسيا يخفف وطأة الاستمرار. كامو يعيش لأنه يتمرد، وسيوران يستمر أحيانا لأن إمكان عدم الاستمرار ما زال متاحا.
وفي مسألة الله يظهر اختلاف آخر. كامو يخشى القفزة الميتافيزيقية التي تحول الحاجة إلى برهان. لا يريد قبول التعالي كي يسد فراغا معرفيا ونفسيا. وموقفه أقرب إلى إغلاق هذا الباب داخل بحث العبث، حتى يبقى الفكر أمينا لما يستطيع إثباته.
سيوران لا يغلق الباب ولا يدخله. علاقته بالله خصومة وحنين واتهام. يتحدث أحيانا كملحد فقد الإيمان، وأحيانا كمتدين غاضب لأن الله غائب، وأحيانا كروح تريد محاكمة الخلق كله. الله عنده ليس حلا، ويظل طرفا في المأساة. كامو يقول: لا أملك طريقا فلسفيا إلى الله. سيوران يقول: حتى غياب الله لا يحررني منه.
التاريخ عند كامو مجال يمكن للإنسان أن يقاوم فيه الظلم مع رفض التضحية بالحاضر من أجل خلاص مؤجل. لذلك ظل كامو معنيا بالعدالة والقتل والثورة وحدود الفعل السياسي. سيوران يرى التاريخ بوصفه مرضا جماعيا، وتعاقبا للحمى والأوهام والانهيارات. كل حضارة تنشأ من وهم قوي، ثم تضعف حين تفقد قدرتها على تصديقه. لا ينتظر من التاريخ تقدما أخلاقيا، ولا يثق بالمشروعات التي تدعي خلاص البشرية.
لهذا أرى أن إطلاق صفة العبثي على سيوران يحتاج إلى تحديد. هو عبثي في شعوره بانعدام التناسب بين الحياة وأسبابها، وعدمي في هدمه للغايات، ومتشائم في حكمه على الوعي والتاريخ، وشكي في كل خلاص. مع ذلك لا يصنع من العبث مذهبا كما فعل كامو. العبث عند كامو مفهوم له أصل ونتيجة وموقف عملي. عند سيوران يتحول كل مفهوم إلى موضوع للارتياب، بما في ذلك العبث نفسه.
يمكن ضبط الفرق في عبارتين:
كامو يسأل: كيف نحيا بعدما فقد العالم جوابه؟
سيوران يسأل: لماذا نعد الحياة مشكلة تستحق جوابا، ولماذا نثق بأن الجواب سينقذها؟
كامو يريد منع الإنسان من السقوط في العدمية، ولهذا يمنحه التمرد والتضامن. سيوران يرى أن محاولات الخروج من العدمية قد تكون وجوها أخرى لحاجتنا إلى الخداع. كامو يحافظ على قيمة الحياة رغم غياب معناها الكوني. سيوران يضع قيمة الحياة نفسها تحت الاستجواب.
لهذا يكون كامو فيلسوف العبث المقاوم، ويكون سيوران مفكر الوعي المنكوب. الأول يريد أن يعرف كيف يحمل سيزيف صخرته من دون أن يُهزم. الثاني يسأل عن الخطيئة الأولى التي جعلت سيزيف واعيا بالصخرة، وعن السبب الذي يدفعه إلى اعتبار بلوغ القمة نصرا.

لا أختار كامو ولا سيوران. كامو منح المقاومة منزلة المعنى، وسيوران منح الانكشاف منزلة الحقيقة. وأنا أرى أن المعنى أسبق من التمرد، وأعمق من اليأس، وأقوى من الوعي الذي يحاول إثباته أو نفيه.

أنا أبدأ من سؤال أشد صرامة: ما الذي يمنح معنى ما حق محاكمتي؟
إذا كان المعنى من صنع الإرادة، فقد سلطته عليها لأن الإرادة تستطيع محو ما اخترعته. وإذا وصل بوصفه جوابا متعاليا مكتملا لا يحتاج إلى فهم أو فعل، صارت الحرية زائدة. قوة المعنى تقوم في تقدمه على الإرادة، مع حاجته إليها كي يتحقق في التاريخ.

موقفي يقول: لا نعيش لأن الحياة أقنعتنا، ولا لأننا نجحنا في خداع أنفسنا؛ نعيش لأن وجودنا يحمل مطالبة لم نفهمها كاملة بعد، ولأن استجابتنا لها هي المساحة التي يصبح فيها المعنى حقيقيا.