مقاربة في نص (سم الخياط)ل بسمة القائد و( ضفتي العبور) ل وليد النصيري|سعيدة بركاتي

ناقدة/ تونسية
قراءة نقدية في نصي الأديبة بسمة القائد و الدكتور وليد النصيري
“عندما يضيق الباب : بين وجع الاعتراف وفرح العبور”
مقاربة بين نص “سم الخياط” لـ بسمة القائد ونص “بين ضفتي العبور” لـ وليد النصيري
───
مقدمة: طرح الإشكالية
كلنا مررنا بأيام شعرنا فيها أن الحياة صارت “سم الخياط”… باب ضيق جداً لا نكاد نتنفس فيه.
لكن السؤال الذي يفرق بيننا هو : ماذا نفعل أمام هذا الباب؟
هل نقف نبكي على ضيقه ؟ أم نبحث عن الطريقة التي نعبره بها ؟
هذا بالضبط ما فعله نصان.
الأول لـ بسمة القائد بعنوان “سم الخياط” فتح لنا قلبه و صرخ بالوجع .
و الثاني لـ وليد النصيري بعنوان “بين ضفتي العبور” مد لنا يده و قال : “تعال ، هناك طريق”.
فكيف رأى كل منهما هذا الباب ؟
و ماذا قالا عن التيه ؟ و ماذا قالا عن النجاة ؟
و هل يمكن أن يكون الوجع و العبور وجهين لقصة واحدة؟
───
#القراءة_النقدية
صوتان… و حالتان مختلفتان
تتحدث بسمة القائد بصوت “نحن” : صوت جماعة متعبة تقول : “نحن أبناء المسار المرتبك” ؛ لغتها سريعة و متقطعة ، كأنها أنفاس مخنوقة . تختار كلمات قاسية : “سلاسل” / “عقارب مستبدة” / “حبر غساق” / “وشم أحمر”. القارئ يشعر معها بالاختناق ، كأنه داخل غرفة مقفلة .
أما وليد النصيري فيتحدث بصوت “أنا” يخاطب “أنتِ” بحنان : “يا عزيزتي ” : لغته هادئة و سلسة ، فيها موسيقى خفية من خلال تكرار “قطرة… قطرة” . يختار كلمات خفيفة : “أخف من الريشة” / “أصدق من الدموع”. القارئ يشعر معه بالطمأنينة ، كأنه في طريق مفتوح على أمل .
إذن : بسمة تحملنا إلى عمق الجرح ، و الأستاذ وليد يأخذ بيدنا نحو الضماد .
رموز مشتركة… و قراءات مختلفة
استخدم الاثنان نفس الرموز لكن بطريقتين :
عن المرايا : تقول بسمة إنها “تسرق هوية الصلصال” . أي أنها تمحينا .
و يقول شاعرنا إن الأبواب التي ظناها نجاة “لم تكن سوى مرايا”. أي أنها تخدعنا.
الخلاصة عند الاثنين : لا تصدق كل ما يبدو لك حقيقياً
عن الكتابة : تخاف بسمة عليها “من الانسحاق في حبر غساق”. تخاف أن تقتلها السلطة
أما الأستاذ وليد فيسلمها للقدر : “نكتب أعمارنا على الماء فيأتي الموج و يقرأها”. يقول إن الفقد هو لغتها الوحيدة.
الأولى تدافع عن الكلمة ، والثاني يسلمها للحياة.
عن الريح : هي القوة الغاشمة عند الاثنين : عند بسمة “الطرقات مصلوبة على إشارات الريح” يعني لا اختيار لنا.
و عند الأستاذ “الريح استبدلت أسماءنا بظلال” يعني ضاعت هويتنا.
لكن ريح بسمة سياسية ، وريح شاعرنا وجودية.
النهاية: سؤال أم جواب؟
هنا يتفرق الطريقان :
ينتهي نص بسمة بسؤال يوجع : “أيعرفنا الضوء في سم الخياط ؟”
هي لا تعطي جواباً ، بل تترك القارئ مع الحيرة ، مع “التيه”، مع فكرة أن هناك من “يرسم الحبكة على مقاس اللعنة”.
و ينتهي نص الدكتور وليد بجواب يشفي : “يبقى شيء واحد يعبر … روح تعلمت أن يكون نورها أكبر من ظلها”.
هو يقول إن المفتاح بأيدينا : “اخلع عن روحك ضجيجها”. العبور يحتاج قلب “أخف من الريشة”.
ما الذي يجعل كل نص مميزاً ؟
قوة بسمة في صدقها الجارح : هي لا تجمل الواقع . عندما تقول “تطوى السجلات أسماءنا ونكتفي برقم” فإنها تلمس جرحاً نعرفه جميعاً ، نصها مرآة نرى فيها خوفنا.
و قوة دكتورنا في أنه لا يكتفي بوصف المرض . يصف الدواء أيضاً. لا ينكر أن “الموج يقرأ أعمارنا بلغة الفقد” ، لكنه يقول إن هناك منافذ . جملته الأخيرة هي خلاصة حكمة : النور الداخلي أقوى من أي ظل.
فيتضح جليا مما تقدم أن النصين يشكلان معاً رحلة متكاملة للروح الإنسانية أمام المحنة.
نص بسمة القائد يقف عند لحظة السقوط و الاعتراف ، و يمنحنا شرعية الوجع و الصراخ.
و نص وليد النصيري يلتقطنا من تلك اللحظة ويأخذنا إلى لحظة النهوض و العبور.
الأول يمثل تشخيص الداء بصدق قاسٍ ، و الثاني يمثل وصف الدواء بحكمة هادئة.
و بين “انسحاق المعنى في حبر غساق” عند بسمة ، و “أن يكون نور الروح أكبر من ظلها” عند أ. وليد ،
تكتمل دائرة الفهم : لا عبور حقيقي دون أن نعترف أولاً بضيق الباب.
هكذا يصبح “سم الخياط” عند بسمة سجناً ، و عند أ. وليد منفذاً ..
و الفرق بين السجن و المنفذ هو نحن .
بقلمي الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس
#نص_بسمة_القائد :
++ سم الخياط
……..
الباب الأخير
مفتوح على أسرارنا
مغلق على الحلم
الغبار يعشش في غرف الأنفاس
يسترهب عين الماء
يسرق هوية الصلصال من المرايا
ويترك لنا النار
نتعثر بها
ونترمد في وساوس النهار
لسان القصيدة
يبحث عن مخرج آمن
يعصم المعنى
من الانسحاق في حبر غساق
وفي طرف خفي
تطوى السجلات أسماءنا
ونكتفي برقم
على جدران هاربة
نخشى أن نقطع المشهد
بسؤال
مصاب بدوار الحياة
لسنا وحدنا في التيه…
هكذا نعلل النفس
نحن أبناء المسار المرتبك
الطرقات
مصلوبة على إشارات الريح
أي جرم اقترفته الأقدام
حتى اقتلعتها العقارب المستبدة
من أحضان النسيم
وملأت رئة العشب
بزعيق السلاسل؟
يتبختر الصوت الأبح
بقرارات نعلنها
نستعرض القوة
ونظن أننا اخترناها طواعية
لكن…
ثمة من يرسم الحبكة
على مقاس اللعنة
يشتت شمل الأناشيد
ويختم الخطى
بالوشم الأحمر
أيها المبعثر في شظاياك
أتملك زمام الاندفاع؟
أصابع الندم
تنتظر من يحصي خيبتها
تبحث بين أشلاء الكلام
عن مفتاح الاندمال
عن أولئك الذين صمتوا فجأة
ومن ألقوا بأصواتهم في الجب
واختفوا كأن لم يكونوا
كل العهود
عالقة على سياج الليل
تبحث عن شهود
فالحبل الواهن
لا يعيد كرامة الوثاق
أيؤرشف البحر
كل هذا الحوب
دون أن يختنق؟
من يرأف بحال السفينة
حين تتأخر الشمس
وتنطفئ قامة الفنار؟
هناك من يوزع الضفاف في الظل
ونحن في ترف النعاس
يستدرجنا الوهم
فريسة ساذجة
نفاوض على اكتمال عتمتنا
من دموع الموج
نرتوي بالملح
ونتكاثر في نطف الخوف
ونظن أننا أحرار
وماذا بعد ؟
أيعرفنا الضوء في سم الخياط ؟
بقلمي بسمة القائد
#كلما_اهتز_قصب_النبض_أجهشت_ناياتي
____________________
#نص_الدكتور_وليد_النصيري
++ بين ضفتي العبور
ليس أضيق من سمِّ الخياط…
إلا قلبٌ أثقلته الحقائق
حتى عجز عن المرور
نمضي حاملين أسماءنا
ثم نكتشف ….
في منتصف الطريق
أن الريح استبدلتها
بظلالٍ لا تعرفنا
وأن الأبواب
التي حسبناها
منافذ للخلاص
لم تكن سوى مرايا
تعيد إلينا وجوهاً
أرهقها الانتظار…
كلما حاولنا
أن نرفع المعنى
إلى مقام النور
شدّته الأرض
من أطراف صمته
كأن الحقيقة
لا تُولد كاملة
بل تخرج
من رحم الانكسار
قطرةً … قطرة
نصافح الوقت
فيصافحنا الغياب
ونكتب أعمارنا
على الماء….
فيأتي الموج
ويقرأها بلغةٍ
لا يجيدها سوى الفقد.!
وحين نلتفت خلفنا
لا نجد إلا آثار أقدام
كنا نظن أنها الطريق
بينما كانت تقودنا
إلى امتحاننا الأخير
يا عزيزتي …فما العبور
إلا أن نخلع
عن روحك ضجيجها
وندخل من أضيق المنافذ
بقلبٍ أخفَّ من الريشة
وأصدق من الدموع
وأوسع من كل المسافات
التي بيني…. وبينكِ
هناك…
حيث لا ينجو الاسم
ولا المجد
ولا صخب الحكايات
الخوالي التي كانت بيننا
يبقى شيءٌ واحد
يعرف كيف يعبر سمَّ الخياط…
روحٌ تعلّمت أن يكون نورها
أكبر من ظلِّها.
بقلمي : وليد النصيري