
قراءة فينومينولوجية في مجموعة(قلبي رغيف البائسين ) للدكتورة فاديا سليمان|احلام حسين غانم
شاعرة وناقدة|سورية
القلبُ حينَ يصيرُ رغيفًا
«من ظاهراتية العتبة إلى ظاهراتية القلب: قراءة فينومينولوجية في مجموعة “قلبي رغيف البائسين” للدكتورة فاديا سليمان»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قراءة: أحلام حسين غانم
على سبيل الوصف
««إننا لا نسكن العالم بوصفنا متفرجين عليه، بل بوصفنا نعيشُه.»
موريس ميرلو-بونتي»
منذ أن نقل موريس ميرلو-بونتي الفينومينولوجيا من سؤال الوعي المجرد إلى سؤال التجربة المعيشة، أصبح الإنسان لا يُقرأ بوصفه ذاتًا منفصلة عن العالم، بل بوصفه كائنًا يتشكل وجوده عبر علاقته بالآخر وبالأشياء وبالمعنى الذي يمنحها إياه.
«قلبي رغيفُ البائسين»
ليست بعض العناوين أسماءً للنصوص، بل أحداثٌ تأويلية تسبق النص وتعيد تشكيل أفق القراءة. ومن هذا الضرب ينهض عنوان «قلبي رغيفُ البائسين» للشاعرة الدكتورة فاديا سليمان؛ الصادر عن دار أعراف للنشر والطباعة والتوزيع سورية – طرطوس- ؛ إذ لا يكتفي بالإعلان عن موضوع المجموعة، بل يدعو القارئ إلى عبور شبكة من المعاني الدينية والإنسانية والشعرية، قبل أن يقرأ القصيدة الأولى.
الانزياح وولادة علامة جديدة
فما إن تقع العين على لفظة «البائسين» حتى ينفتح الوعي على أفقٍ ثقافي وروحي واسع، يستدعي في ذاكرة التلقي صدى العبارة الواردة في المزامير: «رجاء البائسين لا يخيب إلى الدهر.» ( مزامير 9: 15- 20)وليس المقصود هنا إثبات اقتباس مباشر، بل الإشارة إلى إمكانٍ تناصي يجعل العنوان يتحاور مع هذا الأفق الروحي، ثم يعيد إنتاجه شعريًا.
ففي المزمور يبقى الرجاء وعدًا يمنح البائس أفقًا للخلاص، أما في عنوان المجموعة فإن هذا الرجاء يغادر صورته المجردة ليأخذ هيئةً محسوسة؛ إذ يصبح رغيفًا، ويتحول القلب نفسه إلى وسيلة للعطاء. وهنا لا يُلغى المعنى الديني، بل يُؤنسن؛ فالرجاء الذي يُنتظر في النص المقدس، يتجسد في النص الشعري فعلًا إنسانيًا، حتى يغدو القلب هو الرغيف الذي يسند جوع الآخرين، لا أجسادهم وحدها، بل أرواحهم أيضًا.
ومن هنا يغدو العنوان أكثر من استعارة شعرية؛ إنه رؤيةٌ للوجود. فالقلب، الذي ظل في المخيال الشعري العربي موطن الحب والحنين والوجع، يخرج من دائرته الوجدانية ليصبح خبزًا، بينما يغادر الرغيف وظيفته المادية ليغدو رمزًا للمشاركة والرحمة. وبهذا الانزياح تلد الشاعرة علامةً جديدة لا تستبدل معنىً بمعنى، وإنما تؤسس طريقةً جديدة في إدراك العلاقة بين الذات والآخر.
ومن هذا المنطلق؛ لا يولد العمل الأدبي حين تُكتب قصيدته الأولى، بل حين يبدأ الوعي في استقبال حضوره. ومن هنا لا تُقرأ المجموعة الشعرية بوصفها مجموع نصوص، وإنما بوصفها ظاهرةً تتكشف للقارئ تدريجيًا، حيث تغدو كل عتبة، وكل علامة، وكل صورة، لحظةً من لحظات انكشاف المعنى.
ومن هذا الأفق ممكن أن نقترب من مجموعة «قلبي رغيف البائسين»؛ فلا ننظر إليها بوصفها خطابًا يصف العالم، وإنما بوصفها تجربةً تعيد تشكيل طريقة ظهور العالم في الوعي.
فالفينومينولوجيا، منذ هوسرل، لا تنشغل بما إذا كانت الأشياء موجودة خارجنا، بل بكيفية تجليها في خبرتنا. والمعنى لا يُعطى جاهزًا، بل يتكون في فعل القصدية؛ أي في العلاقة الحية بين الوعي وموضوعه.
مفارقة وجودية
وانطلاقًا من هذا التصور، لا يكون عنوان المجموعة اسمًا يُثبت على الغلاف، بل يصبح أول ظاهرة يقصدها الوعي. فهو لا يخبرنا عن مضمون الديوان، بل يضعنا أمام مفارقة وجودية: كيف يمكن للقلب أن يغدو رغيفًا؟ وكيف تتحول العاطفة إلى غذاء، والذات إلى مأوى، والقصيدة إلى فعل مشاركة؟
وهنا تتقاطع الفينومينولوجيا مع السيميائيات؛ فالسيميائيات تدرس تحولات العلامة داخل النظام اللغوي، أما الفينومينولوجيا فتتبع كيف تتحول هذه العلامة إلى خبرة معيشة داخل الوعي. ولذلك لا يكون «القلب» و«الرغيف» مفردتين متجاورتين، بل أفقًا جديدًا لإدراك الإنسان، حيث لا تُقاس الذات بما تمتلك، وإنما بما تمنح.
ولعل ما يمنح هذه المجموعة خصوصيتها أنها لا تجعل البؤس موضوعًا للشفقة، بل تجعل العطاء نمطًا للوجود. وهنا تقترب من تصور هايدغر للإنسان بوصفه كائنًا ينكشف وجوده في كيفية حضوره في العالم، كما تقترب من رؤية ميرلو-بونتي التي ترى أن المعنى لا يُستخلص من الخارج، بل يتجسد في التجربة ذاتها. فالعطاء هنا ليس فكرة أخلاقية تُعلنها القصائد، بل كيفية يظهر بها العالم الشعري نفسه.
ومن ثم فإن هذه المقاربة لا تبحث عما «تقوله» النصوص، بل عما «تجعله ممكنًا» في خبرة القارئ؛ أي كيف تنتقل العلامة من كونها هصورةً لغوية إلى أن تصبح تجربة وجودية يعيشها الوعي لحظة القراءة.
-العتبات النصية وأفق التجلّي الفينومينولوجي
لا تبدأ التجربة الشعرية، في المنظور الفينومينولوجي، من القصيدة الأولى، بل من العتبة الأولى. فالإهداء، والكلمة الافتتاحية، والعنوان، ليست عناصر موازية للنص، وإنما هي المجال الذي يظهر فيه العالم كما يتبدّى لوعي الشاعرة قبل أن يتحول إلى لغة. ولهذا تبدو عتبات مجموعة «قلبي رغيف البائسين» جزءًا من التجربة الشعرية نفسها، لا مقدمات خارجها.
الإهداء… حين يصبح العطاء أفقًا للوجود وشرطًا للامتلاء
تفتتح الشاعرة إهداءها بقولها: «إلى الأحبة الذين مزقوا شغاف القلب… واستوطنوا حنايا الوجدان…»
ومنذ هذه الجملة لا يظهر القلب بوصفه عضوًا للعاطفة، بل بوصفه فضاءً يقبل الآخر حتى وإن جاء عبر الألم. فالتمزق هنا ليس علامة الفقد، بل شرط الامتلاء؛ لأن الآخر لا يدخل الوجدان إلا بعد أن تتسع له الذات. وهنا يتحول الألم، في أفق القراءة هالفينومينولوجية، إلى كيفيةٍ من كيفيات الانفتاح على العالم، لا إلى تجربة انغلاق.
وتتعمق هذه الرؤية في قولها:«إليكم أيها المتعطشون إلى ظل الوداد والسلام والرحمة…»
فالنداء لا يتوجه إلى أفراد بعينهم، وإنما إلى حالة إنسانية عامة. والمتعطشون هنا لا يطلبون الماء، بل يطلبون الوداد والسلام والرحمة، أي إن العطش قد غادر مستواه الحسي ليصبح عطشًا وجوديًا. ومن ثم فإن العالم الشعري لا يُبنى على نقص الخبز، بل على نقص المحبة.
وتبلغ الظاهرة ذروة انكشافها في العبارة المركزية:«أقدم قلبي لقمةً سائغةً هنيئةً.»
هذه ليست استعارةً بلاغية فحسب، بل هي اللحظة التي ينهار فيها الحاجز بين الذات والآخر. فالقلب يفقد وظيفته البيولوجية والرمزية المألوفة ليغدو غذاءً. ومن منظور ميرلو-بونتي، لا يعود الجسد مجرد موضوع في العالم، بل يصبح الوسيط الذي تُعاش من خلاله الخبرة؛ ولذلك فإن القلب هنا لا يُوصف، بل يُمارس فعل العطاء ذاته.
ثم تحسم الشاعرة رؤيتها بعبارتها الأخيرة: «إن قلبي هو رغيف البائسين.»
هذه الجملة ليست خاتمة الإهداء فقط، وإنما هي الجملة المؤسسة للمجموعة كلها. فهي لا تمنح الديوان عنوانه فحسب، بل تمنحه أفقه الأنطولوجي أيضًا؛ إذ يتحول القلب من مركز للشعور إلى وسيلة لإنقاذ الآخر، ويتحول الرغيف من مادةٍ تُستهلك إلى رمزٍ للمشاركة.
الكلمة الأولى
وتواصل «الكلمة الأولى» بناء هذا الأفق الوجودي حين تعلن:«إنه الحب مرة أخرى… وثالثة… ودائمًا.»
إن الحب هنا ليس موضوعًا شعريًا، بل هو الكيفية التي ينكشف بها العالم للذات. لذلك تقرن الشاعرة الحب بالأرق، والصلاة، والرجاء، حتى يصبح الألم نفسه طريقًا إلى المعنى، وتغدو القصيدة ثمرة تجربة معيشة لا صناعة لغوية.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في قولها:«كل قصيدة سقيتها ليلًا على فراش الأرق والعذاب… فجاء بها صباح واعد يفجر الأمل من صمت الكلمات.»
إن الصمت، في هذا السياق، ليس غيابًا للكلام، وإنما رحمٌ تتولد منه اللغة. وهنا تتجلى إحدى أهم سمات التجربة الفينومينولوجية؛ إذ لا يظهر المعنى إلا بعد أن يعبر الذات في معاناتها.
مركز الجاذبية الشعرية
ومن اللافت أن الشاعرة لا تجعل قصيدة «قلبي رغيف البائسين» في مطلع المجموعة، على الرغم من أنها تمنحها عنوان الديوان كله. وهذا الاختيار ليس ترتيبًا شكليًا، بل يكشف وعيًا جماليًا عميقًا؛ فالعنوان هنا لا يخص قصيدة بعينها، وإنما يختزل المشروع الشعري بأسره.
لقد اختارت الشاعرة أن تؤخر القصيدة، لكنها قدّمت معناها منذ الإهداء، وكأنها تريد للقارئ أن يعيش التجربة أولًا، ثم يصل إلى العبارة التي تمنح تلك التجربة اسمها. وهكذا تصبح القصيدة مركز الجاذبية الدلالية الذي تتجمع حوله بقية النصوص، لا لأنها الأولى زمنيًا، بل لأنها الأولى وجوديًا.
وحين نصل إلى القصيدة نجدها تبدأ بسؤال:
«ما أسرار حزنك؟»
وهو سؤال لا يبحث عن جواب مباشر، بل يفتح أفق التأمل في الكينونة الإنسانية. ثم تتوالى صور الجبال، والنهر، والسنين، بوصفها امتدادات للشعور الإنساني، قبل أن تبلغ القصيدة عبارتها المفصلية:
«قلبي رغيف البائسين.»
وهذه العبارة ليست خاتمة لقصيدة، بل مفتاح لقراءة المجموعة كلها. فالرغيف رمز للحياة اليومية، وللمشاركة، وللرحمة، والقلب رمز للذات؛ وعندما يتحد الرمزان، تتحول الذات إلى مأوى للآخر، ويصبح الشعر فعل مشاركة لا فعل تعبير فقط.
ومن هنا فإن عنوان المجموعة لا يصف مضمون قصيدة واحدة، بل يضيء جميع القصائد السابقة واللاحقة، حتى يبدو وكأنها جميعًا كانت تتجه نحوه منذ الصفحة الأولى.
إن الشاعرة لم تمنح المجموعة عنوان إحدى قصائدها، وإنما منحتها اسم رؤيتها إلى العالم؛ لذلك يغدو «قلبي رغيف البائسين» أفقًا فينومينولوجيًا تنكشف في ضوئه التجربة الشعرية بأكملها، لا مجرد عنوان يعلو الغلاف.
عتبةُ العنوان: حينَ يَغادرُ القلبُ جسدَه ليُصبحَ رغيفًا
ليس العنوان في هذه المجموعة تسميةً تُلصق بغلاف الكتاب، وإنما هو النصُّ الأول الذي يسبق جميع النصوص، والشفرةُ التي تُودِع الشاعرةُ فيها رؤيتها للعالم قبل أن تودعها في القصائد. لذلك لا نستقبل عنوان «قلبي رغيفُ البائسين» بوصفه تركيبًا لغويًا، بل بوصفه حدثًا سيميائيًا ووجوديًا في آنٍ معًا.
صدمة دلالية
فالوهلة الأولى تُحدث في القارئ ما يمكن تسميته صدمةً دلالية؛ إذ يلتقي لفظان لا يجمعهما في المعجم رابطٌ مباشر: القلب والرغيف. الأول ينتمي إلى الحقل الوجداني، والثاني إلى الحقل المادي. الأول موضع الشعور، والثاني موضع القوت. غير أن الشاعرة لا تكتفي بجمعهما، بل تلغي المسافة بينهما، ليغدو القلب نفسه رغيفًا، لا حاملًا للرغيف ولا مانحًا له.
ومن هنا يبدأ الانزياح الكبير؛ فالرغيف لم يعد شيئًا يُؤكل، بل صار كائنًا حيًا يخفق، والقلب لم يعد عضوًا نابضًا، بل أصبح طعامًا يُقتسم. إننا أمام انتقال من امتلاك القلب إلى التضحية بالقلب، ومن الإحساس بالآخر إلى التحول غذاءً لوجوده.
ولعل أجمل ما في هذا العنوان أنه لا يقول: أُهدي رغيفًا للبائسين، ولا أحمل خبزًا للبائسين، بل يقول: قلبي رغيفُ البائسين.
إن فعل العطاء هنا لا يقع خارج الذات، وإنما يقع على الذات نفسها؛ فالذي يُمنح ليس شيئًا تملكه الشاعرة، وإنما ما تكونه هي. وهنا تبلغ الاستعارة ذروتها، لأن الذات تتحول إلى عطية.
ومن منظور سيميائي، تتشكل العتبة من ثلاث علامات مركزية:
القلب: علامة الذات، ومركز الوعي، ومستودع الذاكرة والرحمة والحب.
الرغيف: علامة الحياة، والكرامة، والدفء، والاقتسام، وهو في الوعي الجمعي العربي أكثر من طعام؛ إنه قرين البقاء الإنساني.
البائسين: علامة الآخر الجريح، الذي لا يُقدَّم بوصفه هامشًا، بل بوصفه المركز الذي تتحدد من خلاله قيمة القلب والرغيف معًا.
غير أن القراءة الفينومينولوجية تدفعنا إلى ما هو أبعد من العلامة؛ فهي لا تسأل عمّا يعنيه القلب أو الرغيف، بل عمّا يحدث للوعي حين يواجه هذا التركيب غير المألوف.
إن القارئ لا يفسر العنوان أولًا، بل يعيشه؛ يشعر بأن القلب خرج من حدوده البيولوجية، وتحرر من فرديته، ليتحول إلى صورةٍ للعطاء المطلق.
وهكذا لا يبقى القلب عضوًا في الجسد، بل يصبح طريقةً في الوجود.
ثنائية المانح والممنوح
ومن هنا يمكن القول إن الشاعرة لا تؤسس شعرها على ثنائية الأنا والآخر، بل على ثنائية المانح والممنوح؛ غير أن المانح هنا لا يمنح شيئًا خارج ذاته، وإنما يمنح ذاته نفسها. لذلك يغدو العنوان إعلانًا مبكرًا عن فلسفة المجموعة كلها: أن الإنسان يبلغ اكتمال وجوده حين يصبح خبزًا لآلام الآخرين، لا حين يكتفي بالشفقة عليهم.
إن هذه العتبة لا تفتح باب القصائد فحسب، بل تفتح بابًا إلى رؤية إنسانية ترى أن العطاء ليس فعلًا أخلاقيًا عابرًا، وإنما هو الصورة الأسمى للوجود؛ فالقلب لا يثبت حضوره بالخفقان، بل بما يقتسمه مع الآخرين من حياة.
-سيميائية الضمير: ياءُ المتكلِّم بوصفها عتبةً للعطاء
قد تبدو ياء المتكلم في «قلبي» تفصيلًا لغويًا عابرًا، غير أن القراءة السيميائية تكشف أنها العلامة الأولى التي ينتظم حولها العالم الشعري للمجموعة. فالشاعرة لم تقل: القلبُ رغيفُ البائسين، ولم تقل: قلبٌ رغيفُ البائسين، وإنما قالت: قلبي.
وهذه الإضافة ليست تقييدًا للمعنى، بل نقطة انطلاقه.
فالياء، في ظاهرها، ضمير امتلاك؛ لكنها في هذا السياق تنقض وظيفتها المألوفة. فالملكية هنا لا تنتهي إلى الاحتفاظ بالشيء، بل إلى التخلي عنه. إن الضمير الذي يُفترض أن يرسخ حدود الذات، يتحول إلى أول خطوة في محو هذه الحدود.
وهنا تبلغ العلامة ذروة مفارقتها؛ إذ تبدأ الجملة بـ«أنا»، لكنها لا تنتهي عند «أنا». فكل كلمة تلي هذا الضمير تدفع الذات إلى خارج مركزها: قلبي… ثم رغيف… ثم البائسين. إن حركة العنوان ليست حركة نحو الداخل، بل حركة انفتاح مستمرة، تبدأ بالذات وتنتهي بالآخر.
ومن هذا المنظور، لا تؤدي ياء المتكلم وظيفة نحوية فحسب، بل ترسم مسارًا وجوديًا؛ فهي تعلن أن الإنسان لا يكتشف ذاته بالانغلاق عليها، وإنما بتجاوزها. ولذلك لا تصبح الـ«أنا» هنا مركزًا للخطاب، بل جسرًا يعبر عليه الخطاب إلى «الآخر».
وتؤكد القراءة الفينومينولوجية هذا المعنى؛ فالأنا في هذا العنوان ليست ذاتًا متعالية تستحوذ على العالم، بل ذاتًا تعيش وجودها من خلال المشاركة. إن وعيها بذاتها لا يتحقق إلا عندما تشعر بوجع الآخر، حتى يغدو ذلك الوجع جزءًا من خبرتها الوجودية.
ومن هنا لا يعود القلب ملكًا لصاحبه، بل يصير فضاءً تتقاطع فيه الذوات.
ويكشف ترتيب الكلمات عن حركة دقيقة في بناء المعنى؛ فالذات تتصدر الجملة، لكنها لا تستأثر بها. إذ سرعان ما يتراجع حضورها أمام «الرغيف» بوصفه علامة البذل، ثم يذوب أخيرًا في «البائسين» الذين يشكلون الغاية النهائية لهذا التحول. وهكذا ينتقل مركز الثقل من الأنا إلى الآخر، ومن الامتلاك إلى المشاركة، ومن الهوية الفردية إلى الهوية الإنسانية.
فرادة العنوان
وهنا تكمن فرادة العنوان؛ فهو لا يبني علاقة بين ثلاثة ألفاظ فحسب، بل يبني رحلةً كاملة: تبدأ بضمير المتكلم، وتمر بفعل العطاء، وتنتهي بالإنسان.
ولهذا يمكن القول إن ياء المتكلم ليست أصغر وحدات العنوان، بل أكبرها أثرًا؛ لأنها العلامة التي يبدأ منها تفكيك الذات، لتولد من جديد ذاتًا أوسع، لا تُعرِّف نفسها بما تملك، بل بما تمنح.
وعند هذه النقطة، تغادر «قلبي» معناها النحوي، لتصبح موقفًا أخلاقيًا وفلسفيًا؛ إذ تتحول الـ«أنا» من ضميرٍ للملكية إلى ضميرٍ للمسؤولية، ومن علامةٍ على الذات إلى علامةٍ على الإنسان في أسمى تجلياته.
-سيميائيةُ الرغيف: من علامةِ الخبز إلى أنطولوجيا العطاء
إذا كان القلب هو أكثر أعضاء الجسد التصاقًا بالحياة الوجدانية، فإن الرغيف هو أكثر الأشياء التصاقًا بالحياة الإنسانية. فالرغيف ليس طعامًا فحسب، بل هو تاريخٌ من العمل، وذاكرةٌ من الجوع، ووعدٌ بالبقاء. ولذلك اكتسب، في الوعي الجمعي، منزلةً تتجاوز وظيفته الغذائية
ليغدو علامةً للحياة نفسها.
غير أن الشاعرة د.فاديا سليمان لا تستثمر هذه الدلالة الموروثة كما هي، وإنما تعيد بناءها شعريًا. فهي لا تجعل الرغيف موضوعًا للقصيدة، بل تمنحه وظيفةً أنطولوجية؛ أي تجعله صيغةً للوجود. فالرغيف في عنوان المجموعة ليس شيئًا خارج الإنسان، بل هو الإنسان وقد تحوّل إلى عطية.
ومن هنا ينتقل الرمز من مستواه التداولي إلى مستواه الوجودي. فالرغيف لم يعد يدل على ما يسدُّ الجوع، بل على ما يسدُّ فراغ الروح أيضًا. إن الجائع في هذا العالم الشعري ليس من يفتقد الطعام وحده، وإنما من يفتقد الرحمة، والاحتواء، والكرامة، والاعتراف بإنسانيته.
منظور سيميائي
ومن منظور سيميائي، تنتمي كلمة «الرغيف» إلى شبكة من العلامات التي تستدعي الخصب، والسنابل، والقمح، واليد التي تعجن، والنار التي تنضج، والمائدة التي تجمع. وهذه العلامات لا تظهر منفصلة، بل تتداعى في الوعي الثقافي للقارئ بمجرد حضور الرغيف، فتفتح فضاءً دلاليًا واسعًا لا يمكن اختزاله في المعنى المعجمي.
غير أن الشاعرة تقطع هذا التداعي في لحظة حاسمة؛ إذ تنزع الرغيف من سياقه الطبيعي، وتضعه في علاقة مباشرة مع القلب. وهنا تتغير طبيعة العلامة نفسها. فما كان يُصنع من القمح، صار يُصنع من المشاعر. وما كان يُقتسم بين الأيدي، صار يُقتسم بين الأرواح. وهكذا يتحول الرغيف من مادة إلى قيمة، ومن شيء يُستهلك إلى معنى يُعاش.
وهنا تتدخل الفينومينولوجيا لتكشف أن الرغيف ليس رمزًا جاهزًا، بل خبرة معيشة. إن القارئ لا يتلقى هذه الكلمة بوصفها مفردة في معجم، بل يستدعي معها تجارب إنسانية راسخة: دفء الخبز، ورائحته، وانتظار الجائع له، وفرحة الطفل به، وهيبة اللقمة حين تصبح آخر ما يملكه الإنسان. ولهذا لا يدخل الرغيف النص وحده، بل تدخل معه ذاكرة الحياة كلها.
ومن هذا المنظور، لا يعود العطاء فعلًا أخلاقيًا يُضاف إلى الذات، بل يصبح الكيفية التي توجد بها الذات. فالإنسان، في أفق هذه المجموعة، لا يحقق إنسانيته بما يحتفظ به، وإنما بما يسمح للآخر أن يحيا من خلاله. وهكذا يغدو الرغيف صورةً للوجود المنفتح، لا للامتلاك المغلق.
ولعل هذا ما يمنح العنوان فرادته الشعرية؛ فهو لا يكتفي بإضفاء صفة على القلب، بل يعيد تعريف القلب ذاته. فالقلب الذي لا يتحول إلى رغيف يبقى عضوًا بيولوجيًا، أما القلب الذي يصير رغيفًا، فإنه يرتقي إلى مرتبة القيمة، ويتجاوز حدوده الفردية ليصبح بيتًا للجائعين، ودفئًا للمكسورين، وأفقًا للأمل.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الرغيف في هذه المجموعة لم يعد علامةً على القوت، بل أصبح أيقونةً للعطاء الوجودي؛ فكلما اتسعت دائرة البذل، اتسعت دائرة الوجود، وكلما اقتُسم الرغيف، اكتمل معنى القلب.
فلسفة الألم
وهنا تبلغ العلامة أقصى تحولاتها؛ إذ لا تعود تشير إلى شيء خارجها، بل تكشف عن فلسفة كاملة ترى أن الإنسان لا يصير إنسانًا إلا عندما يغدو، بكل ما فيه، رغيفًا لآلام الآخرين وآمالهم.
-البائسون: الآخرُ بوصفِهِ شرطًا لولادةِ المعنى
لا يكتمل عنوان «قلبي رغيفُ البائسين» إلا بكلمته الأخيرة؛ فلو توقفت الجملة عند «قلبي رغيف» لبقيت الصورة معلقة في فراغ الدلالة، أما كلمة «البائسين» فهي التي تمنح القلب وجهته، والرغيف غايته، والعطاء معناه.
ومن هنا لا يظهر البائس في هذا العنوان بوصفه موضوعًا للشفقة، بل بوصفه الآخر الذي يوقظ إنسانية الذات. فالقلب لا يتحول إلى رغيف إلا لأن هناك من يحتاج إليه، والرغيف لا يكتسب قيمته إلا لأنه يجد يدًا تمتد إليه. وهكذا لا يكون البائس نهاية المعنى، بل بدايته.
علامة مفتوحة
سيميائيًا، تحمل كلمة «البائسين» طاقةً دلالية واسعة؛ فهي لا تشير إلى الفقر المادي وحده، بل تستدعي كل صور الانكسار الإنساني: بؤس الحرب، وبؤس الفقد، وبؤس الغربة، وبؤس الوحدة، وبؤس الروح حين تفقد ما يسندها. إنها علامة مفتوحة لا تُحيل إلى فئة اجتماعية محددة، وإنما إلى كل إنسان أصابه كسر في وجوده.
ومن هنا تتجنب الشاعرة أي توصيف مباشر؛ فلا تُسمي هؤلاء، ولا تُحدد أسباب بؤسهم، لأن التحديد يُضيّق الدلالة، بينما الإطلاق يجعلها تتسع لكل قارئ. إن «البائسين» ليسوا شخصيات داخل القصيدة، بل أفقًا إنسانيًا يدخل منه كل من عرف الجوع أو الخوف أو الفقد أو الانتظار.
عصارة الكشف
تكشف القراءة الفينومينولوجية أن الآخر في عنوان”قلبي رغيف البائسين” للدكتورة فاديا سليمان» ليس موضوعًا تنظر إليه الذات من علٍ، بل حضورًا يغيّر وعيها بنفسها.
فالذات لا تعرف نفسها أولًا ثم تلتفت إلى الآخر، وإنما تكتشف حقيقتها في لحظة اللقاء به. إن وجود البائس لا يثير التعاطف فحسب، بل يعيد تشكيل معنى القلب ذاته.
ولهذا لا تقوم العلاقة بين «الأنا» و«الآخر» على ثنائية العطاء والأخذ، بل على التبادل الوجودي؛ فكما يمنح القلبُ البائسَ حنينَه، يمنح البائسُ القلبَ سبب وجوده.
فالعطاء هنا ليس حركة في اتجاه واحد، بل ولادة متبادلة؛ إذ يولد المانح من خلال عطائه، كما يولد المعنى من خلال من يتلقاه.
وهنا تتجاوز الشاعرة الخطاب الإنساني المألوف الذي يضع البائس في موقع الضعف الدائم، لتمنحه وظيفة أعمق؛ فهو ليس مجرد متلقٍ للعطف، بل هو الكائن الذي يكشف للذات مدى قدرتها على أن تكون إنسانًا. لذلك لا يصبح البائس عبئًا على العالم، بل امتحانًا أخلاقيًا وجماليًا للعالم.
ومن هذه الزاوية، يغدو العنوان كله دائرةً دلالية متكاملة: الأنا في «قلبي»، والقيمة في «رغيف»، والغاية في «البائسين».
ولا تستقيم الدائرة إذا غاب أحد أضلاعها، لأن كل علامة تستمد معناها من العلامتين الأخريين.
ولعل هذا ما يجعل العنوان يتجاوز بعده الشعري إلى بعده الفلسفي؛ فهو لا يتحدث عن إحسانٍ يُقدَّم، بل عن رؤية للوجود ترى أن الإنسان لا يكتمل إلا حين يحمل في قلبه نصيبًا من وجع الآخرين، وأن البؤس، مهما كان قاسيًا، يمكن أن يتحول داخل الشعر إلى قوة تُوقظ الرحمة، وتعيد بناء المعنى، وتكشف أن أسمى أشكال الوجود ليست أن نُرى، بل أن نكون سببًا في أن ينهض إنسان آخر من انكساره.
وهكذا تنتهي عتبة العنوان إلى حقيقة لافتة؛ فـ«البائسون» ليسوا الكلمة الأخيرة في التركيب فحسب، بل هم الكلمة الأولى في الفلسفة التي تنهض عليها المجموعة كلها؛ فمنهم يبدأ القلب رحلته، وإليهم ينتهي الرغيف، وبين البداية والنهاية يولد الشعر بوصفه فعلًا من أفعال المشاركة الإنسانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








