الشدة والابتلاء..حين تكون المحنة محنة من الله |المحامية الدكتورة آمنة آل عبد السلام

كاتبةـ سلطنة عمان

ما أكثرَ ما يظنُّ الإنسانُ، حين تتكاثر عليه الخطوب، وتضيق به السبل، وتتعاقب عليه المنغصات، أن الحياة قد استوفت منه ضريبتها، وأن ما يلقاه من تعثرٍ أو ظلمٍ أو جفاءٍ من بعض البشر ليس إلا قدرًا قاسيًا كُتب عليه أن يحمله وحده. تتوارى الآمال خلف ستائر الألم، وتُوصَد الأبواب في وجهه، حتى يخال أن الفرج قد أدار له ظهره، وأن الطريق قد انتهى.

غير أن المؤمن، كلما أمعن النظر في سنن الله، أيقن أن وراء كل شدة حكمة، وأن في ثنايا كل ابتلاء رحمةً خفيةً لا تنكشف إلا لمن أحسن الظن بربه. فما كانت المحن في ميزان الإيمان إلا معابرَ إلى المنح، ولا كانت العواصف إلا لتُعلِّم الأرواح كيف تلوذ بخالقها، وتستمد منه السكينة والثبات.

كم من كربةٍ استعصت على العقول، وحسبها الناس نهاية المطاف، فإذا بالله يبدد ظلامها في لحظةٍ لا تخطر على قلب بشر. لحظةٌ تتبدل فيها المقادير، وتنقشع فيها الغشاوة، فيدرك القلب أن الفرج لم يكن بعيدًا، وإنما كان يسير إليه بخطى الحكمة الإلهية، في الموعد الذي اختاره الله، لا الذي استعجله العبد.

وهنا تتجلى أعظم معاني العبودية؛ إذ يسمع القلب نداء الرحمة، وكأن الله سبحانه يقول لعبده: أنا معك، أسمع نجواك، وأرى انكسارك، وأعلم ما أثقل صدرك. فلا تستوحش من قلة الناصرين، ولا تُرهق روحك بالانتصار لنفسك، ودع من ظلمك لعدلي، ومن آذاك لحكمي، فإنني لا أُضيع حقًّا، ولا أغفل عن دمعةٍ سقطت في خفاء، ولا عن قلبٍ صبر وهو يرجو وجهي.

ما أكرم تلك الخلوات التي يجلس فيها العبد بين يدي ربه، وقد انقطعت عنه أسباب الأرض، فلم يجد إلا باب السماء مفتوحًا. في هدأة الليل، وسكون الأكوان، تتجرد الأرواح من ضجيج الدنيا، وتفيض المناجاة صدقًا، ويصبح الدعاء حديثًا بين القلب وربه، لا يشوبه رياء، ولا تعكره شواغل الحياة. هناك، يتنزل اللطف الإلهي على القلوب المنكسرة، فتسكن بعد اضطرابها، وتطمئن بعد قلقها، وتبصر من نور اليقين ما لم تكن تبصره في أوقات السعة.

ثم تمضي الأيام، فإذا بالإنسان يقف على شاطئ التجربة، ناظرًا إلى ما مضى بعينٍ غير التي بكى بها أول الأمر. فيرى أن كل بابٍ أُغلق كان رحمةً من الله، وأن كل تأخيرٍ كان إعدادًا لعطاءٍ أكمل، وأن كل ألمٍ صقل روحه، وهذّب قلبه، وأعاده إلى مولاه أكثر افتقارًا، وأصدق توكلًا، وأعمق معرفةً بحقيقة الحياة.

إن الشدة ليست نهاية الطريق، وإنما هي بداية ميلادٍ جديدٍ للقلب. وما الابتلاء إلا مدرسةٌ ربانية، يتعلم فيها الإنسان الصبر، ويترقى فيها بالإيمان، ويكتشف أن لطف الله لا يُدرك دائمًا بالأبصار، بل يُستشعر بالبصائر. فكم من لطفٍ خفيٍّ ساقه الله لعباده وهم لا يشعرون، وكم من نعمةٍ وُلدت من رحم المحنة، وكم من عطيةٍ جاءت متخفيةً في ثوب البلاء.

فطوبى لمن استقبل الشدة بقلبٍ موقن، ونفسٍ راضية، وعينٍ ترى وراء الغيب وعد الله. أولئك هم الذين إذا انقشعت الغمة، أدركوا أن الابتلاء لم يكن إلا سبيلًا إلى القرب، وأن المحنة كانت في حقيقتها منحةً إلهيةً عظيمة، وأن الله، الذي يسمع دبيب الدعاء في ظلمات الليل، لم يكن يومًا بعيدًا عن عبده، بل كان معه بعلمه، ولطفه، ورحمته، حتى أخرجه من الضيق إلى السعة، ومن الكسر إلى الجبر، ومن العسر إلى اليسر، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
صدق الله العظيم