الى الروح التي عانقت روحي

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم آثار أكاديمي |سوري
إلى القلب الذي ألقى بمفاتيح أسراره في قلبي فصار بيننا من الألفة ما تعجز الكلمات عن وصفه ومن الصمت ما كان أبلغ من ألف حديث..
إلى اليد التي لم تمسك يدي فحسب بل أيقظت في أعماقي مواسم كانت نائمة وأشعلت في أركان الروح قناديل ظننت يوماً أن ريح العمر قد أطفأتها إلى الأبد..
أكتب إليكِ الآن كما لو أنني أجلس عند عتبة معبد أوغاريتي قديم والبحر يرسل أنفاسه المالحة نحو التلال والبخور يتصاعد في زرقة الفجر الأولى بينما يخط ناسخ مجهول على طين دافئ ترتيلة حبٍّ ووفاء لن يقرأها إلا الذين عرفوا معنى أن تلتقي الأرواح قبل أن تتصافح الأيدي.
أيتها النبيلة..
كنتِ تشبهين نسيم الصباح حين يمرّ فوق سنابل القمح فيجعلها ترقص دون ضجيج وتشبهين العاصفة حين يستدعي الموقف شجاعة القلب وقوة الموقف. كنتِ تعرفين كيف تحتضنين الفرح برقة وكيف تواجهين الألم بصلابة الذين تعلموا من الحياة أن الانكسار ليس نهاية الطريق.
وما زلت أذكر كيف كانت الكلمات تولد بيننا دون عناء وكيف كانت المسافات تتلاشى أمام دفء الحضور. كان في صوتك شيء من طمأنينة البيوت القديمة وفي روحك شيء من البحر واسعاً عميقاً جميلاً وغامضاً في آنٍ واحد.
وفي الليالي التي يثقلها الحنين أبحث عنكِ بين تفاصيل الأشياء الصغيرة في رائحة المطر حين يلامس التراب . وفي نور الفجر حين يتسلل خجولاً من خلف الأفق وفي هدير الموج الذي لا يملّ العودة إلى الشاطئ مهما ابتعد.
أحياناً أشعر أن بعض الأرواح لا تأتي إلى حياتنا لتقيم زمناً ثم ترحل بل تأتي لتترك بصمتها فينا إلى الأبد. تصبح جزءاً من ذاكرتنا، ومن طريقة رؤيتنا للعالم ومن نبضات قلوبنا التي تواصل السير وهي تحمل شيئاً منها أينما مضت.
ولو سألتني أوغاريت وهي التي حفظت على ألواحها أخبار الملوك والتجار والعشاق ماذا بقي لك من تلك الروح؟
لقلت: بقي دفء اللقاء الأول.. وبقي صدق المشاعر التي لم تعرف التكلّف.. وبقي الامتنان الكبير لأن القدر منحني يوماً فرصة أن ألتقي روحاً جميلة كهذه حتى وإن باعدت الأيام بين الدروب.
فبعض الحكايات لا تنتهي بالرحيل.. وبعض الأرواح لا تغيب وإن غابت.. وبعض الأسماء حين تُذكر يضيء في القلب مصباح قديم وتفوح من الذاكرة رائحة زمنٍ كان أجمل مما نروي.
سلامٌ عليكِ..
يا من مررتِ في العمر مرور النور وتركْتِ في الروح ما يشبه تراتيل الفجر الأوغاريتية
هادئةً
عميقةً
خالدةً
كأنها نُقشت على طين دافئ خرج تواً من معابد أوغاريت ليبقى شاهداً على أن بعض الأرواح خُلقت لتُحب وأن بعض الذكريات خُلقت لتبقى.
لعل أكثر ما يوجع القلب أن الأرواح النبيلة لا ترحل من الذاكرة لأنها لا تسكن الأماكن، بل تسكن أعماق الروح ذاتها. ولذلك يبقى حضورها ممتداً كصدى البحر على شاطئ أوغاريت
لا ينقطع مهما ابتعد الزمن..

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎