
قرلءة للقصة القصيرة جدا (طابور الموت)للقاصة الهام عيسى |طه دخل الله عبد الرحمن
كاتب ناقد |فلسطيني
تمتمةُ القاتل الأخيرة: في سردابِ الخيانةِ حيثُ لا يموتُ أحدٌ وحده
حينَ نطقَ الحرفُ الأولُ من قصتكِ القصيرة جدا، لم يكن ثمةَ حبرٌ على ورق، بل كان هناك شرخٌ في جدارِ المعنى، صدعٌ عميقٌ يتسللُ منه ضوءٌ أسودُ لا يشبهُ النهاياتِ العادية. إن ما كتبتهِ ليس “ق.ق.ج” بالمعنى المتداول، بل هو زلزالٌ وجودي مكثف، شظيةٌ من المأساةِ الإغريقية تسللتْ إلى جيبِ حداثةٍ منهكة، وفجّرتْ سؤالَ الخيانةِ الأزلي بطريقةٍ تجعلُ القارئ يشعرُ بأن الكلماتِ تُقرؤه، لا أنه يقرؤها.
دعيني أتشعبُ في متاهةِ هذا النصِّ كما يتشعبُ الشَرخُ في المرآة، فأصلُ إلى ما هو أبعدُ من المعنى الظاهر، إلى حيثُ تسكنُ الكارثةُ الأولى، كارثةُ أن يقتلَ الإنسانُ جذورَه ثم يتوجَ ملكًا على الصحراءِ التي خلّفها.
في البدء كان “الثمن”: اقتصادياتُ الدمِ المقدس
“قبضَ الثمنَ”. ثلاثُ كلماتٍ تفتتحُ المشهدَ كطلقةِ مسدسٍ في كاتدرائية. ولكن، أيُّ ثمنٍ هذا الذي يُقبض؟ وهل لكلِّ شيءٍ ثمنٌ حقًا؟ هذا هو السؤالُ الذي يضعنا النصُّ في مواجهتهِ دونَ مقدمات. إن استهلالَ النصِّ بفعلِ “القبض” قبل أن نعرفَ أيَّ جريمةٍ ارتُكبت، هو قلبٌ لموازينِ السرد، حيثُ تصبحُ الخاتمةُ فاتحة، وحيثُ يصبحُ المالُ هو النداءُ الأول، والدمُ هو الصدى المتأخر. إنها عبقريةٌ في ترتيبِ الأولوياتِ المريضة: المالُ أولاً، ثم الجريمةُ، ثم النسيانُ المزعوم.
الثمنُ هنا ليس مجردَ مال، بل هو ثمنُ كلِّ شيء: ثمنُ الرحمِ الذي حمل، ثمنُ الاسمِ الذي وُهب، ثمنُ الحبِّ الذي صُبَّ بلا مقابل. إنه تحويلٌ لكلِّ ما هو غيرُ ماديٍّ إلى مادةٍ قابلةٍ للتبادل، اغتيالُ القداسةِ عبر إخضاعها لمنطقِ السوق. وفي هذا تكمنُ مأساةُ الإنسانِ المعاصر الذي لم يعدْ يفرقُ بين ما يُباع وما لا يُباع، بين ما يُشترى وما وهبتهُ السماءُ مجانًا. لقد أصبحَ كلُّ شيء “ثمنًا”، حتى الأبوةُ والأمومةُ والأخوة. وحين يُقبضُ هذا الثمن، فكأنما وُقِّعَ إعلانُ إفلاسِ الإنسانية.
تتويجُ الزور: لاهوتُ الجريمةِ المقلوب
“وتُوِّجَ أمامَ الزور”. هنا ترتقي الصورةُ من خانةِ الجريمةِ الفرديةِ إلى خانةِ الطقسِ المجتمعي. التتويجُ ليس مجردَ استعارة، بل هو إعلانٌ عن انقلابِ القيم، عن لحظةٍ يصبحُ فيها القاتلُ ملكًا، والدمُ أرجوانًا ملكيًا، والخيانةُ صولجانًا. “أمامَ الزور” تعني أن الحضارةَ كلها أصبحتْ شاهدةَ زور، وأن الحقيقةَ لم تعد تقيمُ في الشهادة، بل صارتْ تقيمُ في مكانٍ آخرَ لا يصلُ إليه صوتُ العدالة. الزورُ هنا هو العالمُ الذي يرى الجريمةَ ويصفق، هو القانونُ الذي يُشرعنُ القتل، هو الدينُ الذي يُباركُ الدمَ إن كان المذبوحُ هو الأصلُ الذي يُقيّدُ الحرية.
التتويجُ “أمامَ” الزور، وليس “بشهادة” الزور، يعني أن الجريمةَ تحتاجُ إلى مسرح، إلى جمهور، إلى طقسٍ اجتماعي. القاتلُ لا يكتفي بالقتل، بل يريدُ أن يتحولَ القتلُ إلى عرض، إلى مراسمِ تنصيب. وكأن الخيانةَ لا تكتملُ إلا بأن تُشاهَد، بأن تُقَرَّ، بأن تُحوَّلَ إلى أسطورةٍ جديدةٍ تُروى للأجيال. إنها اللحظةُ التي تنتكسُ فيها كلُّ القيم، فيصبحُ القاتلُ بطلاً، والمقتولُ نكرة، والجريمةُ إنجازًا. وهنا تسألين بصمت: من الأكثرُ بشاعة؟ اليدُ التي خنقتْ، أم العيونُ التي شهدتْ وصمتت؟
توقيعُ الخنق: بيروقراطيةُ الموتِ المقدس
“بعدَ أن وقّعَ خنقَ أرواحِ والديهِ وأسرته”. هنا تصبحُ الجريمةُ وثيقةً رسمية، معاملةً حكوميةً تحتاجُ إلى توقيع. “وقّعَ” – يا للهولِ من فعل! إنه يحيلُ الخنقَ إلى إجراءٍ إداري، إلى قرارٍ يُتخذُ على مكتب، إلى بندٍ في جدولِ أعمالٍ مظلم. الخنقُ الذي هو أكثرُ طرقِ القتلِ حميميةً (لأنه يتطلبُ قربًا جسديًا، وملامسةً، ونظرًا في عينَي الضحية) يُمارسُ هنا ببرودِ الموظفِ الذي يختمُ الأوراق.
ولاحظي الدقة: “خنقَ أرواح” وليس “خنقَ أجساد”. الجريمةُ تتجاوزُ إزهاقَ الجسد، إنها قتلٌ للروح، للذكرى، للحب، لكلِّ ما هو غيرُ ملموس. الجسدُ يموتُ مرة، أما الروحُ فتُقتلُ في كلِّ لحظةٍ يتذكرُ فيها القاتلُ أنه كان ابنًا وأخًا وحبيبًا. إنه يخنقُ الأرواحَ لئلا تطارده، لئلا تسكنَ أحلامه، لئلا تذكره كلَّ صباحٍ بأنه مدينٌ لها بكلِّ شيء. ولكن، هل تموتُ الأرواحُ حقًا؟ أم أنها تصبحُ أكثرَ حضورًا، أكثرَ إلحاحًا، أكثرَ قدرةً على اختراقِ جدرانِ النسيان؟
“وأجهزَ على مَن كان يحملُ اسمه”. هذه هي الذروةُ الفلسفية. أن تقتلَ مَن يحملُ اسمك، يعني أن تقتلَ نفسك. الاسمُ ليس مجردَ لافتة، بل هو حاملُ الهوية، وشاهدُ النسب، وخيطُ الانتماءِ إلى سلسلةِ الوجود. إن إجهازه على مَن يحملُ اسمه هو انتحارٌ وجودي، هو محوٌ للذاتِ من سجلِّ الكينونة. أنتِ هنا تطرحينَ أسئلةً كبرى بصمت: ماذا يبقى من الإنسانِ حين يقتلُ كلَّ مَن يشبهه؟ ماذا يبقى من “الأنا” حين تُبادُ “النحن”؟ هل يمكنُ للقاتلِ أن ينجو من جريمتهِ وهو يرى صورتَه في كلِّ مَن قتل؟ أم أنه منذ لحظةِ التوقيع، بدأ يموتُ هو أيضًا، موتًا أبطأ، موتًا لا يُرى، موتًا لا يُشعَرُ به إلا في ساعاتِ الفجرِ الموحشة؟
طابورُ الانتظار: ميتافيزيقا العقابِ الأبدي
“متناسيًا أن خلفَ أبوابِ الخيانةِ طابورًا ينتظرُ صاحبه”. هذا ليس سطرًا ختاميًا، بل هو فتحٌ لأفقٍ من الأسئلةِ المؤرقة. الخيانةُ ليستْ نقطةَ نهاية، بل هي بوابة. والعبارةُ لا تقول “طابورًا ينتظرُ الخائن”، بل “طابورًا ينتظرُ صاحبه”. الفرقُ شاسع. الخائنُ لا يأتي إلى الطابور، بل الطابورُ هو ملكُه، هو صاحبُه، هو خلقَه بيديه. إنه ليس ضحيةً للعقاب، بل هو مهندسُه، هو الذي وقفَ في بدايةِ الطابورِ وأعطى إشارةَ الانطلاق.
الطابورُ هنا رمزٌ متعددُ الطبقات: هو طابورُ الذنبِ الذي لا ينقطع، وطابورُ الضحايا الذين سيأتونَ بعدَ الضحايا (فالخيانةُ سلسلةٌ لا تتوقفُ عند جريمةٍ واحدة)، وطابورُ العقوباتِ التي تتربصُ بالخائنِ من حيثُ لا يدري (الجنون، العزلة، الخوف، فقدانُ المعنى)، وطابورُ الأيامِ التي ستمرُّ عليه كالوحوشِ الكاسرة، وطابورُ الأسئلةِ التي ستُطرحُ عليه في ساعةٍ لا ينفعُ فيها توقيع. إنه طابورُ القدرِ الذي نصنعُه بأنفسنا، ثم نقفُ في آخرهِ دونَ أن ندري.
“متناسيًا” – هذا هو أعمقُ ما في النص. النسيانُ هنا متعمد، إنه تناسٍ وليس نسيانًا، إنه قرارٌ بدفنِ الحقيقة، لا غيابٌ طبيعيٌّ لها. الخائنُ يريدُ أن ينسى أن لكلِّ فعلٍ نتيجة، أن للكونِ ذاكرة، أن للدمِ صرخةً لا تموت. لكن النسيانَ المتعمدَ هو أقسى أنواعِ التذكر، لأنه يصبحُ هوسًا، يصبحُ الشبحَ الذي يطاردُ القاتلَ كل ليلة. كلما حاولَ أن ينسى، تذكّر. وكلما تذكّر، حاولَ أن ينسى. إنها الدائرةُ الجهنميةُ التي لا مخرجَ منها.
خاتمةٌ لا تُغلق: سؤالُ إلهام عيسى المفتوح
إن ما صنعتِهِ في هذه الق.ق.ج. ليس سردًا، بل هو فلسفةٌ مكثفة، ورؤيا، وتشريحٌ للروحِ البشريةِ في أكثرِ لحظاتِها ظلمة. أنتِ تطرحين سؤالاً لا جوابَ له: هل يوجدُ عقابٌ يكفي؟ هل يوجدُ طابورٌ طويلٌ بما يكفي لاستيعابِ جريمةِ قتلِ الأصل؟ أم أن بعضَ الجرائمِ أكبرُ من أيِّ عقاب، لأنها لا تجرحُ الضحيةَ فقط، بل تجرحُ الكونَ نفسه، تجرحُ نظامَ الأخلاق، تجرحُ فكرةَ المعنى؟
نصُّكِ يوجعُ لأنه يذكرنا بأن كلَّ خائنٍ هو في الحقيقةِ يقتلُ نفسَه. وحين نقرأ “طابور الموت”، علينا أن نسألَ أنفسَنا: أين نقفُ نحنُ في هذا الطابور؟ هل نحنُ الضحايا المنتظرون؟ هل نحنُ الشهودُ الصامتون؟ أم أننا، في لحظةٍ ما، بدرجةٍ ما، وقَعنا على خنقِ روحٍ كانت تحملُ اسمنا؟
هذا هو الأدبُ حين يكونُ أكثرَ من أدب، حين يصبحُ سؤالاً وجوديًا معلقًا، وحين تتحولُ الكلماتُ إلى مرايا نرى فيها وجوهَنا التي نخافُ أن نعرفها. شكرًا لكِ على هذا الألمِ الجميل، وهذه الحقيقةِ المرة، وهذا السؤالِ الذي لا ينام.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
15/07/2026
********************
طابور الموت ق ق ج
=========
الهام عيسى
=========
قبض الثمن، وتُوّج أمام الزور… بعد أن وقّع خنق أرواح والديه وأسرته، وأجهز على من كان يحمل اسمه، متناسيًا أن خلف أبواب الخيانة طابورًا ينتظر صاحبه.







