الاسلوب السردي بين وهم المركزية وتعددية المعنى في الخطاب الروائي |محمد كامل العبيدي

كاتب |تونسي
________________________________________
الرواية لا تُفهم من خلال كيفية القول فقط، وإنما من خلال العالم الذي تبنيه، والأسئلة التي تطرحها، والدلالات التي تفتحها أمام التأويل.

________________
توطئة
لا يهدف هذا المقال إلى الطعن في قيمة الأسلوب، ولا إلى التقليل من إسهام المناهج التي جعلت منه محورًا للدراسة الأدبية، كالشكلانية والأسلوبية والبنيوية. فقد أسهمت هذه الاتجاهات في الكشف عن أهمية البنية اللغوية والخصائص التعبيرية في بناء الخطاب الروائي، وأغنت الدرس النقدي بمفاهيم وإجراءات ما تزال تحتفظ بقيمتها المنهجية.
غير أن الإشكال لا يكمن في الاعتراف بأهمية الأسلوب، بل في تحويله إلى المرجعية الوحيدة أو الحاسمة في إنتاج المعنى الروائي. فحين تُختزل الرواية في بنيتها اللغوية، وتتراجع أمامها الرؤية الفكرية، والسياق الثقافي والتاريخي، والتجربة الإنسانية، وفعل التلقي، يصبح من المشروع إعادة النظر في حدود هذا التصور.
ومن هذا المنطلق، تناقش هذه الورقة وهم المركزية الأسلوبية، ويدافع عن رؤية ترى أن المعنى الروائي لا ينتج عن الأسلوب وحده، وإنما يتشكل من تفاعل منظومة متكاملة من العناصر الجمالية والفكرية والثقافية.

مقدمة
شكّل الأسلوب، عبر تاريخ النقد الأدبي الحديث، أحد أبرز المفاهيم التي انشغلت بها الدراسات السردية، بوصفه المجال الذي تتجلى فيه فرادة الكاتب وخصوصية خطابه. وقد أسهمت مناهج نقدية متعددة في ترسيخ هذا الاهتمام، حتى غدا الأسلوب، في كثير من القراءات، المدخل الرئيس إلى فهم النص الروائي وتأويله.
غير أن هذا التصور يثير إشكالًا نقديًا يتمثل في مدى مشروعية إسناد إنتاج المعنى إلى الأسلوب وحده. فالرواية ليست بناءً لغويًا مستقلًا عن شروط إنتاجه، بل هي خطاب تتفاعل داخله البنية السردية مع الرؤية الفكرية، والسياق التاريخي والثقافي، والتجربة الإنسانية، وأفق تلقي القارئ. ومن ثم، فإن الدلالة الروائية لا تنشأ من الخصائص الأسلوبية بمعزل عن هذه العناصر، وإنما تتولد من شبكة معقدة من العلاقات تجعل النص فضاءً مفتوحًا لتعدد المعاني.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى مساءلة فرضية المركزية الأسلوبية في الخطاب الروائي، والكشف عن حدودها التفسيرية، والدفاع عن تصور يرى أن الأسلوب، على أهميته، يمثل عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى، لا مرجعيته الوحيدة أو النهائية. فالمعنى الروائي لا يتولد من عنصر منفرد، وإنما من التفاعل بين البنية السردية، والرؤية الفكرية، والسياق الثقافي، وفعل التلقي، في إطار عملية دلالية مركبة ومفتوحة على التأويل.

 

1- محدودية اختزال الرواية في أسلوبها
يؤدي النظر إلى الأسلوب بوصفه المحدد الرئيس للخطاب الروائي إلى اختزال النص في مظاهره اللغوية والبلاغية، وكأن قيمة الرواية تتحدد بكيفية القول أكثر مما تتحدد بطبيعة العالم الذي تبنيه والأسئلة التي تثيرها. غير أن الرواية ليست بناءً لغويًا فحسب، وإنما هي أيضًا رؤية للإنسان والوجود والهوية والتاريخ، تتجسد عبر شبكة من العلاقات السردية والفكرية والثقافية التي تتجاوز حدود الصياغة الأسلوبية.
وقد يتقارب كاتبان في عدد من التقنيات والأساليب السردية، من حيث طرائق الوصف أو إدارة الحوار أو تنظيم الزمن الروائي، ومع ذلك يقدمان عالمين روائيين مختلفين اختلافًا جذريًا، لأن خصوصية كل منهما تنبع من اختلاف الرؤية الفكرية، والتجربة الإنسانية، والمرجعيات الثقافية، والانتماء، والموقف من الواقع. ومن ثم، فإن الأسلوب لا يخلق الدلالة من تلقاء نفسه، بل يكتسب فاعليته من اندماجه في هذه المنظومة الأوسع.
ولذلك، فإن اختزال الرواية في أسلوبها يفضي إلى قراءة تنشغل بالبنى اللغوية أكثر من انشغالها بالأسئلة الوجودية والاجتماعية والفكرية التي يطرحها النص. فالنقد الذي يكتفي بوصف الظواهر الأسلوبية قد ينجح في الكشف عن آليات بناء الخطاب، لكنه يعجز عن استيعاب كامل الطاقة الدلالية للرواية، لأن المعنى لا ينبثق من الشكل منفردًا، بل من التفاعل المستمر بين الشكل والمضمون، وبين النص وسياقه، وبين قصدية الكتابة وأفق التلقي.

2- المعنى الروائي نتاج تفاعل لا نتاج أسلوب منفرد
لا يتشكل المعنى في الرواية من اللغة وحدها، بل من العلاقة بين مختلف مكونات الخطاب السردي. فالشخصية، مثلًا، ليست مجرد عنصر سردي ولا مجرد بناء لغوي يمكن استيعابه من خلال تقنيات الوصف والحوار، وإنما هي كائن تخييلي يحمل تاريخًا نفسيًا واجتماعيًا وفكريًا، لها دوافعها الخفية، وصراعاتها الداخلية، وعلاقاتها بالعالم من حولها. والفضاء الروائي ليس مجرد خلفية للأحداث، بل قد يكون تعبيرًا عن صراعات اجتماعية أو رموزًا ثقافية عميقة.
كما أن الزمن الروائي لا يكتسب قيمته من طريقة عرضه (الاسترجاع والاستباق والمخاتلات الزمنية) فحسب، بل من علاقته العميقة بالذاكرة والتاريخ والتحولات الإنسانية. فالزمن في الرواية ليس مجرد سياق تقني، بل هو بعد وجودي يتشكل من خلال تجربة الشخصيات وتفاعلهن مع الواقع. ولذلك فإن الدلالة لا تكون كامنة في الأسلوب وحده، وإنما تنشأ من التفاعل بين البنية السردية والرؤية التي يحملها النص، بين طريقة السرد والعالم الذي يعاد تشكيله.
فالأسلوب قد يمنح النص جماله وتميزه الفني، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنحه عمقه، لأن العمق يأتي من قدرة الرواية على مساءلة الإنسان والواقع، من استطاعتها أن تخترق السطح وتصل إلى ما وراء الكلمات، إلى بناء أفق دلالي يتجاوز حدود الصياغة اللغوية.

3- القارئ والتأويل وتعددية إنتاج المعنى
إذا كان المعنى الروائي يتولد من تفاعل مكونات الخطاب السردي، فإن هذا التفاعل لا يكتمل إلا بفعل القراءة، إذ لا يظل المعنى حبيس البنية النصية، بل ينفتح على أفق التأويل وتعدد القراءات. فالنص الروائي لا يقدم دلالة نهائية مغلقة، وإنما يتيح إمكانات دلالية متعددة تتجدد بتعدد القراء، واختلاف خبراتهم الثقافية، ومرجعياتهم الفكرية، والسياقات التاريخية التي تتم فيها عملية التلقي. ومن ثم، فإن إنتاج المعنى ليس فعلًا أحاديًا يصدر عن الكاتب أو عن النص وحده، بل هو عملية تفاعلية يشارك فيها النص والقارئ معًا.
ويتقاطع هذا التصور مع ما ذهبت إليه نظرية التلقي، ولا سيما عند “هانس روبرت” و”فولفغانغ إيزر”، إذ تؤكد أن النص الأدبي لا يستنفد دلالاته بمجرد كتابته، وإنما تتجدد معانيه عبر فعل القراءة، وأن اكتمال المعنى يظل رهينًا بالتفاعل بين النص والقارئ في أفق التلقي. ومن ثم، فإن القراءة ليست مرحلة لاحقة للعمل الإبداعي، بل عنصرًا فاعلًا في إنتاج دلالته وإثراء إمكاناته التأويلية.
ولا يعني ذلك أن التأويل حرية مطلقة تبيح للقارئ أن ينسب إلى النص ما يشاء من المعاني، وإنما يعني أن النص يمتلك قابلية دلالية تتيح تعدد القراءات المشروعة، ما دامت منطلقة من بنيته، ومستندة إلى مؤشراته النصية، ومنسجمة مع أفقه الدلالي. فكل قراءة تكشف جانبًا من إمكانات النص، وتضيف إليه أفقًا جديدًا من الفهم، من غير أن تدعي احتكار معناه أو إلغاء القراءات الأخرى.
ومن هذا المنظور، يغدو الأسلوب عنصرًا فاعلًا في توجيه القراءة، لا سلطة تحتكر إنتاج المعنى. فهو يسهم في تنظيم الخطاب، وتشكيل أثره الجمالي، وتوجيه انتباه القارئ إلى مسارات بعينها، لكنه لا يفرض دلالة نهائية، لأن المعنى يتشكل عند نقطة التقاء الأسلوب بالبنية السردية، والرؤية الفكرية، والسياق الثقافي، وخبرة القارئ التأويلية.
وعليه، فإن تعددية إنتاج المعنى لا تنتقص من قيمة الأسلوب، بل تعيد تحديد موقعه داخل منظومة الخطاب الروائي. فالأسلوب يظل مكونًا أساسيًا في بناء العالم الروائي، غير أن فاعليته لا تتحقق بمعزل عن بقية عناصر النص، ولا عن فعل القراءة الذي يفعّل إمكاناته الدلالية ويجددها مع كل تلّقٍ جديد.

4- الأسلوب بين إبداع الكاتب وتأثير السياقات
يذهب بعض النقاد إلى النظر إلى الأسلوب بوصفه التعبير الأكثر مباشرة عن شخصية الكاتب ورؤيته إلى العالم، غير أن هذا التصور لا يحيط بكامل العوامل التي تسهم في تشكله. فالأسلوب، وإن حمل بصمة المبدع، لا ينشأ في فراغ، بل يتكون داخل منظومة لغوية وثقافية وتاريخية تتيح إمكانات معينة للتعبير وتفرض في الوقت نفسه حدودًا وشروطًا.

فالكاتب لا يبتكر لغته من العدم، وإنما يشتغل على لغة مشتركة، ويتفاعل مع تقاليد أدبية سابقة، ويتأثر بظروف عصره وتحولاته الفكرية والاجتماعية. لذلك فإن خصوصية الأسلوب لا تُفهم من خلال الفرد وحده، بل من خلال العلاقة الجدلية بين الإبداع الشخصي والسياقات التي تحتضنه وتوجهه. ومن ثم، فإن دراسة الأسلوب تظل ناقصة إذا عزلته عن شروط إنتاجه، وعن التفاعل القائم بين النص ومحيطه الثقافي والتاريخي.
ولا يعني ذلك إنكار فرادة الكاتب أو التقليل من دوره، وإنما التأكيد أن هذه الفرادة نفسها تتجلى عبر حوار دائم مع اللغة والثقافة والهوية والواقع، وأن الأسلوب هو ثمرة هذا التفاعل أكثر من كونه نتاجًا ذاتيًا خالصًا.
ويمكن توضيح هذا التصور من خلال مثال تطبيقي من رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، حيث تكشف المقاطع الأولى عن عودة الراوي إلى قريته بعد غياب طويل، في بناء سردي يقوم على الإيحاء، والاقتصاد اللغوي، والإيقاع الهادئ، واستحضار عناصر دلالية مثل القرية والذاكرة والموت. وقد تدفع هذه الخصائص الأسلوبية قارئًا يركز على الشكل وحده إلى حصر دلالة النص في أجواء الغموض والحزن التي تنتجها الصياغة.
غير أن هذه الدلالة لا تكتمل إلا بوضع الأسلوب داخل شبكة أوسع من العناصر. فالرؤية الفكرية للرواية ترتبط بأسئلة الهوية، والاغتراب، والعلاقة الإشكالية بين الشرق والغرب في سياق ما بعد الاستعمار، كما أن المرجعيات الثقافية المرتبطة بالموروث السوداني والذاكرة الجماعية تسهم في تشكيل أفق النص. ويضاف إلى ذلك دور التلقي، إذ تختلف طرائق قراءة الرواية باختلاف الخلفيات الثقافية للقارئ، فالقارئ الذي يستحضر تاريخ العلاقة بين المركز والهامش قد يلتقط أبعادًا تختلف عن قارئ ينظر إليها من زاوية أخرى.
وهكذا يبين المثال أن الأسلوب، رغم أهميته في تشكيل الأثر الجمالي للنص، لا ينتج المعنى منفردًا، بل يكتسب قيمته الدلالية من تفاعله مع الرؤية والسياق والتاريخ وأفق القراءة. فالرواية لا تُفهم من خلال كيفية القول فقط، وإنما من خلال العالم الذي تبنيه والأسئلة التي تثيرها.

5- نحو تصور متوازن للأسلوب السردي
إن نقد مركزية الأسلوب لا يعني التقليل من أهميته أو إنكار دوره في بناء الخطاب الروائي، فهو أحد المقومات الأساسية التي تمنح النص هويته الجمالية وفرادته التعبيرية. غير أن قيمته لا تتحقق بوصفه عنصرًا مستقلًا أو مرجعية وحيدة لإنتاج المعنى، وإنما بوصفه جزءًا من منظومة سردية تتفاعل فيها اللغة مع الرؤية الفكرية، والبنية السردية، والشخصيات، والفضاء، والزمن، والسياق الثقافي، وفعل التلقي.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن الفصل بين الأسلوب وبين بقية مكونات الرواية، إذ إن فاعليته تتحدد بقدرته على تجسيد التجربة الإنسانية التي يعبر عنها النص، وعلى الانسجام مع العالم الروائي الذي يشيده. فالرواية المتميزة ليست تلك التي تمتلك أسلوبًا لافتًا فحسب، بل تلك التي تنجح في تحقيق تكامل بين طرائق التعبير ومضامينها، بحيث يغدو الأسلوب وسيلة لإنتاج الدلالة، لا غاية قائمة بذاتها.
وعليه، فإن المقاربة المتوازنة للأسلوب السردي تقتضي النظر إليه باعتباره عنصرًا فاعلًا داخل شبكة معقدة من العلاقات، لا مركزًا يحتكر إنتاج المعنى. فكلما اتسعت زاوية النظر إلى الرواية بوصفها خطابًا يجمع بين البنية والرؤية والسياق والتلقي، أمكن الوصول إلى قراءة أكثر عمقًا وإنصافًا، تستوعب ثراء النص وتعدد مستوياته الدلالية.

خاتمة
يتبين، في ضوء ما سبق، أن الأسلوب السردي يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء الخطاب الروائي، غير أن قيمته لا تكمن في كونه المرجعية الوحيدة لإنتاج المعنى، وإنما في فاعليته داخل منظومة سردية تتفاعل فيها البنية والرؤية والسياق وفعل التلقي. ومن ثم، فإن أي قراءة تكتفي بتحليل الأسلوب بمعزل عن هذه العناصر تظل قراءة جزئية، مهما بلغت دقتها في الكشف عن الخصائص التعبيرية للنص.
فالأسلوب لا يحتكر إنتاج المعنى، بل يشارك في بنائه داخل شبكة من العلاقات الجمالية والفكرية والثقافية والتداولية، وهو ما يجعل الرواية فضاءً مفتوحًا على تعدد الدلالات لا على مركزية دلالة واحدة.