
الإعتذار ثقافة راقية|عائشة القرطوبي
الكاتبة – سلطنة عمان
الإعتذار ليس ضعفًا بل قوة و ثقة، و ثقافة راقية، يذهب الهموم و يجلي الأحزان و يذهب الحقد و يدفع الصد، و ليس إهانة للنفس كما يعتقد البعض، و يرى الكثير أن الإعتراف بالأخطاء و الإعتذار يهدر كرامتهم، فلا يقوى عليه سوى قلة.
رغم أن الإعتذار يعبر عن صفات جميلة تحظى بالإعحاب، كالحب و المشاركة و التواضع و معرفة المرء بقدر ذاته .
و لكن عندما يصل الأمر للإعتذار، يتملكنا التردد، أي أننا نقدر التواضع و الإعتراف بالخطأ و الصراحة، و لكن عندما تخرج الأمور عن السيطرة، يكون أول شيء نبحث عنه، هو شخص آخر نلقي عليه اللوم.، رغم أننا نعلم بأن المكابرة، رغم بريقها اللامع الأخاذ ، لا تزيد النار إلا إشتعالاً .
نحن نقدر الإعتذار بالمعنى المجرد، و لكن ندير له ظهورنا ، عندما يحين وقته، خاصة عندما تكون له تبعات، رغم أن الاعتذار في صالح المعتذر أو المخطئ و ليس ضده ، بل إنه دين ندين به إلى كل من أخطأنا في حقه، و يد حانية تمحو آثار الألم الذي لحق بهم بسببنا، و يجب أن يكون الإعتذار مرضاة لأنفسنا أولا ً، عندما تقدم عليه، فهذا يفيد على جميع المستويات و يجعلك تعتذر بصورة أكثر فاعلية.
إن المخطئ يتكبد خسائر كبيرة رغم حجم المكاسب التي يجنيها من خطئه، حيث أن المسئ و المساء إليه يتضرران من الإساءة على حد سواء .
فالشخص الذي يخون مبادئه بإرتكاب الأخطاء، و يترك شخصاً آخر يدفع الثمن، بقصد أو غير قصد، يكون قد تخلى عن جزء كبير من قيمه النبيلة التي تشكل روحه، فهو برفضه الإعتذار يغش نفسه، لأنه يناقض ضميره و إحساسه بالعدالة، و في المقابل يدفع ثمناً فادحاً، كشعوره بالقلق و الأرق و الإغتراب، و تصدع العلاقات و مواجهة صعوبات في مختلف عمله و حياته، و هذا ثمن لا مفر من دفعه برفضه الإعتذار و المكابرة على الخطأ .
الإعتذار ممارسة كما هو إتجاه ، يدل على القيادة و الإدارة الحكيمة، و أنه عامل يساعد على ترميم العلاقات المتصدعة، بل يدل على النضوج الشخصي ، فإرتكاب الأخطاء ليس هو بيت القصيد، لأننا جميعاً لسنا معصومين من الخطأ ، و لكن الأمر يتعلق بأن ما نفعله مقابل الأخطاء التي نرتكبها قد يخطو بنا إلى الأمام و قد يجرنا إلى الخلف .
إن عبارة ” أنا آسف” من شأنها تعزيز الدعامات الأساسية، لأية علاقة من العلاقات الإنسانية، و هي الثقة و المصداقية و الشفافية و التواضع، كما يمكنه تهيئة المناخ المناسب لبناء و إستعادة و تعزيز الثقة و الولاء مع الآخرين، و له قدرة على تهدئة العلاقات المتوترة، و التحرير من ضغائن الإنتقام، و تفجير طاقات جديدة داخلنا تساعد على النمو و التطور.
فالإعتذار ثقافة في غاية الأهمية في وقتنا هذا، و هو تمرين على السمو بالنفس، لأننا به نعلن عن تقديرنا لعلاقاتنا مع الآخرين، أكثر من تقديرنا لحاجتنا الشخصية، به نظهر تواضعنا، و مصداقيتنا و شفافيتنا ، فعند العزم على الإعتذار، يجب أن نقوم به على أكمل وجه، لأن أنصاف أو أجزاء الإعتذارات تزيد الأمور سوءاً، و أن نتحمل المسؤولية كاملة عن تبعات كلماتنا أو تصرفاتنا المؤذية التي قمنا بها .
فبجب ألا نتردد في الإعتدار عن الأخطاء التي نرتكبها و لا ننطر إلى الإعتذار أنه كمجرد واجب ، بل هو هبة تساعدنا على تحقيق الكثير، و أنه قادر على فتح جميع الأبواب المغلقة أمامنا ، و أنه دلالة واضحة على قوة الشخصية، و ليس ضعفها .
و من المهم نشر ثقافة الإعتذار و إفشائها في المجتمع، لأنها من مكارم الأخلاق الدينية العالية ، و أساس مهم لبقاء الاحترام في العلاقات، لأن المكابرة بعدم الإعتذار، قد تتسبب في مشاكل كثيرة، فتتطور إلى منازعات و تهديدات لا أخلاقية، كما يجب أن نضع في إعتبارنا ، أن الضعفاء هم من لا يعتذرون، يختلقون لهم الأعذار و المبررات للهروب ، أمّا القوي فهو من يعتذر ويعوض عن الخطأ ويكفر عن خطيئته دون أي شعور أن ذلك يعيبه أو يُنقص من قدره .







