
قراءة نقدية لنص(خطاب الدائرة)للشاعر السوري كاظم احمد احمد|مرشدة جاويش
دكتورة وناقدة وأديبة |سورية
القراءة :
تتألق في هذا النص الفلسفي الغامض خطاب الدائرة كمبدع يتقن إحكام القبضة على رمزية العدم والتحول الإنساني بحيث تشيد بنيانك السريالي عبر تجربة شجنية غائرة تُسائل مركزية العقل والأخلاق في زمن الانكسار
يفتح النص أفق تأويله عبر استعارة (كوزمولوجية) مبهرة تمزج بين الضوء والعتمة إذ تشير حركة (أرخى سدولَ وميضِ ماسِه) إلى حالة حجبٍ متعمد للرؤية والشغف بحيث يلتقي فعل الرخاء بالماس ليعكس بريقاً زائفاً أو أفولاً لتجربة كانت مضيئة
وتتبدى فلسفة العدالة الزائفة في توزيع الأوهام (بتساوٍ أرضى الجميع) ليأتي صوت التساؤل الجمعي القادم من الأقاصي (قالوا: كيف له هذا من بعيد؟) كمؤشر على الاغتراب الوجودي والانفصال بين الذات الراعية والجمهور المتلقي
تتعمق الصورة في البُعد النفسي من خلال صراع الذاكرة والغياب
فالأنثى أو (الذات الحقيقية) تنفرد بخاصية الحضور الثابت (وحدها لا تغيب وإن غرقت بالنبيذ) في إشارة تأويلية غنية إلى طغيان الحقيقة حتى في لحظات غياب الوعي أو التخدير ويتحول السهاد إلى حالة انقسام داخلي وتفتت حسي حين (تَنابذَ الرمشان) ليكون (مَطُّ الخيال على أريكة النسيان) محاولة يائسة لاستعادة الإحساس الموغل في البُعد والعدم
ثم تتصاعد النبرة النقدية والأخلاقية للنص لتشريح تآكل القيم الإنسانية حيث يُصاغ التحول الاجتماعي عبر تشبيهات صدمية متتابعة فالصدق والرياء امتزجا حتى أضحيا (حليباً) متجانساً يصعب فرزه والرجولة والعهود تحولت إلى (زبد) خفيف لا ثبات له سرعان ما يطفو على السطح وتتقاذفه أمواج الزيف
هذا التردي الأخلاقي يتحول إلى مجسد حسي مفزع حين تغدو اللقمة (دماً عبيطاً) ممزوجة بجهد ووجع المقهورين ليتوج النص تحذيره الحاسم بصرخة الوعي الأخيرة (عِ وَقِ النفسَ قبل فوات الأوان)
وعلى المستوى القواعدي والتركيبي يأتي البناء النحوي معززاً ومخدماً لهذه الرؤية التأويلية المكثفة إذ يعتمد النص على التناوب بين الأفعال الماضية الدالة على ثبات الانكسار والتحول الواقع (أرخى- وزّع- قالوا- أضحى- بان) والأفعال المضارعة الدالة على استمرارية الاضطراب وحركته (تغيب- يطفو- تتقاذفه) كما تلعب أسماء الأفعال وأساليب الأمر المقتضبة والمركزة (عِ- قِ) دوراً قواعدياً حاسماً في نهاية النص بحيث تأتي هذه الأفعال المعتلة المفتقرة لروابط التمديد اللفظي (من وقى ووعى) لتحدث صدمة إيقاعية ونحوية تختزل النص كله في فعلين مبنيين على حذف حرف العلة مما يمنح الختام حسماً لغوياً يناسب خطورة التحذير في سياق ينتمي بجدارة إلى قصيدة النثر التأملية ذات البعد الذهني والرمزية السريالية المنسوجة بجمالية غموض محبب
وبناء لغوي شديد التكثيف أ. Kazem A Ahmad ابدعت
النص :
خطاب الدائرة
أرخى سدولَ وميضِ ماسِه
وزّعَ بتساوٍّ أرضى الجميعَ
قالوا : كيف له هذا من بعيد ؟
وحدها لاتغيب و إن غرقت بالنبيذ
سرق النومَ من جفون الحبيب
رغم السهادِ تَنابذَ الرمشان
سحر مطَّ الخيال على أريكة النسيان
أيقظ الإحساسَ الموغلَ بالغياب
ازداد التساؤل ماذا حَلَّ بالإنسان؟
قالوا: حليبا أضحى الصدق والرياء
كان زبدٌ حيضَ الرجال
سُرعانَ على الوجه بان
مع كلِّ ريحٍ يطفو
تتقاذفه الأمواج
قالوا: حبلا قصيرا
لكن في العقل ثمّ ضجيج
طَرْقُ الكَذبِ دامَ لمزيد
أضتِ اللقمةُ دمَ عبيط
عِ وَ قِ النفس قبل فَواتِ الآوان
٩







