
اكسروا خرافة المركز والهامش …لقد انتهى زمن الوصاية |الدكتورة نور الهدى قرباز
أكاديمية|جامعة بوسكرة الجزائر
اكسروا خرافة المركز والهامش… لقد انتهى زمن الوصاية
منذ عقود، يردد الخطاب النقدي العربي عبارة المركز والهامش كما لو كانت قانونًا طبيعيًا لا يقبل المراجعة. تناقلتها الكتب، وكررتها الندوات، وأصبحت عند بعض الأكاديميين حقيقة مقدسة، مع أنها لم تعد تفسر الواقع الذي نعيشه.
لقد تغير العالم، أما بعض العقول فما تزال تسكن خرائط قديمة.
المركز الذي كانوا يتحدثون عنه لم يعد موجودًا. لم تمت الفكرة بقرار سياسي، وإنما أسقطتها الثورة الرقمية. شاشة صغيرة في يد كاتب مغمور أصبحت أقوى من مؤسسة ثقافية كاملة، ومنصة إلكترونية صارت أوسع أثرًا من عشرات المنابر الورقية.
الأديب لم يعد يهاجر إلى العاصمة ليولد أدبيًا، ولم يعد ينتظر مباركة ناقد، أو دعوة إلى صالون، أو مقعدًا في مؤسسة. يكتب من بيته، من واحة، من جبل، من قرية، من قلب الصحراء، فيصل صوته إلى العالم كله. هكذا ببساطة… مات المركز.
أما الهامش، فلم ينتصر على المركز، لأن المركز نفسه تبخر. الهامش اكتشف أن قيمته لم تكن يومًا مرتبطة بنظرة الآخرين إليه، وإنما بقوة ما يكتبه. لذلك صنع مكانه بنفسه، ولم يطلب شهادة اعتراف من أحد.
العجيب أن بعض الأكاديميين ما يزالون يدرسون الأدب بعقل الأمس. تدخل ندوة أو ملتقى، فتبدأ الرحلة المعهودة: قال أرسطو… وقال هيغل… وذكر فوكو… ويرى دريدا… وتمضي الساعة تجر الساعة، ثم تغادر القاعة وأنت تعرف آراء الجميع، إلا رأي المحاضر نفسه.
أين صوته؟ أين اجتهاده؟ أين مشروعه الفكري؟
ليس المطلوب أن نهدم التراث الفكري، ولا أن نتنكر للفلاسفة والمفكرين والنقاد. فكل باحث يبدأ قارئًا، وكل مشروع علمي يولد من رحم المعرفة السابقة. غير أن القراءة محطة، وليست إقامة دائمة. والاستشهاد وسيلة، وليس هوية.
الباحث الذي يقضي عمره يكرر أفكار غيره، لا يصنع معرفة، وإنما يدير أرشيفًا. والجامعة التي تكتفي بإعادة تدوير الأقوال، تتحول إلى متحف، لا إلى مختبر للأفكار.
العلم لا يتقدم بالاقتباس وحده، وإنما بالسؤال، والاعتراض، والتجريب، والمراجعة، والجرأة على اقتراح طريق جديد. فالقيمة الحقيقية لأي باحث ليست في عدد الأسماء التي يستحضرها، وإنما في عدد الأفكار التي يضيفها.
لقد آن الأوان أن نخرج من عباءات الآخرين. أن نتوقف عن الاختباء خلف سلطة الأسماء الكبيرة. أن نكتب ما فهمناه نحن، لا أن نعيد كتابة ما فهمه غيرنا. فالفيلسوف العظيم لا يريد مريدين، وإنما يريد عقولًا تواصل المسير من حيث توقف، لا أن تقيم عند عتبة أفكاره إلى الأبد.
اكسروا خرافة المركز والهامش، واكسروا معها وهم الوصاية الفكرية. فالأدب لا يسأل الكاتب عن عنوانه، ولا عن مدينته، ولا عن مؤسسته، ولا عن الجهة التي منحته الاعتراف. الأدب لا يعترف إلا بالنص.
وفي زمن المعرفة المفتوحة، لا يوجد مركز إلا الفكرة، ولا يوجد هامش إلا العجز عن إنتاجها.






