قراءة لقصيدة (انتظار) للدكتور مايكل حمدان|طه دخل الله عبد الرحمن

كاتب وناقد|فلسطيني
تراءى لي
من خلف الضباب
ممتطياً واحدة
من السحاب
لم أنبس ببنت شفة
بقيت مسمراً
في مكاني
لم أتجاوز حدود
الباب
باب حلمي
الذي ولجته
وعشت فيه
بعيدا” عن
الأتراب …
مرت الأيام
ومضت سنيني
كنت أحصيها
تعدت الخمسين
كبرت
هرمت
عانيت من الأوهام
وصدى الأنين
وشعري شاب
تألمت كثيراً
حملت حلمي
وجبت به
بلاد الأغراب
وطيف حبيبي
كان يرافقني
وما وجه لي لوماً
ولا عتاب …
تعبت
غفوت للحظات
فإذ بي
أراه مبتسماً
جالسا” بين الأهداب
صحوت من غفوتي
لم أعرف ان كنت أنا
من ناديته
أم أن الحبيب
كسر صمتي
وهتف قائلاً:
ها قد جئتك
بأمر من الله
فافرح
وأنسى عذابك
ولوعة انتظارك
يا أغلى الأحباب …
شكرت ربي
ومنحت الحبيب
عقلي
وفكري
وروحي
وقلبي
وطوقت عالمه بحدود
رسمتها بروائع
من حبي …………….
** د. مايكل حمدان
******************
القراءة:
مملكة الغياب: فيزياء الانتظار ونهاية الزمن الخطّي
لم يَطِلَّ الحبيبُ من شرفةِ الذاكرة، بل انبثقَ من رحمِ العدمِ الأبيض؛ لم يكُنْ قادمًا على قدمينِ تخوضان وحلَ المسافة، بل كان راكبًا سحابةً تُبصِرُ ولا تُرى، تتشكَّلُ من قُطنِ الغيبِ وتنحلُّ في فراغِ الأفق. “تراءى لي من خلف الضباب / ممتطيًا واحدةً من السحاب” – نحن هنا لسنا أمام استعارةٍ تزيِّنُ المشهد، بل أمام إعلانٍ أنطولوجيّ: الحبيبُ، كي يكونَ حبيبًا جديرًا بطولِ الانتظار، يجب أن يأتيَ من وراءِ المرئيّ، من فجوةِ الوجود، متجاوزًا منطقَ الجاذبيةِ والجسد، وكأنَّ السحابةَ ليست مَرْكَبًا بقدرِ ما هي استعارةٌ عن حالةِ التحقُّقِ الناقص، عن كائنٍ لم يَكتمِلْ تَجسُّدُهُ بعد، ظلٍّ يسبقُ جسدَه، وعدٍ يتقدَّمُ صاحبَه.
وفي لحظةِ التجلّي القصوى، يتحوَّلُ الكائنُ إلى صخرةِ وعي: “لم أنبس ببنت شفة / بقيتُ مسمرًا في مكاني”. الصمتُ هنا ليس عجزًا لسانيًّا، بل ارتقاءٌ باللحظةِ من طورِ الكلامِ إلى طورِ المعنى الخام، حيث تُفقَدُ جدوى الأصوات، ويصبحُ الجسدُ كلُّه أداةَ سماع. والتسميرُ ليس شللًا، بل هو توقُّفٌ إراديٌّ للزمنِ الشخصيّ، رفضٌ للحركةِ التي قد تَشُقُّ شاشةَ الحُلمِ فتُسقِطُه. أما البابُ، “باب حلمي الذي ولجتُه”، فليس خشبًا ولا حجرًا، بل هو الثقبُ الأسودُ الذي ابتلعَ الذاتَ طواعيةً؛ إنه حدٌّ فاصلٌ بين عالمَيْن: عالمِ “الأتراب” حيث الجسدُ الاجتماعيُّ يعيشُ بالتقويم، وعالمِ الحلمِ حيث الروحُ تعيشُ بالدهشة. إنها هجرةٌ وجوديّةٌ في الاتّجاه المُعاكِس، ليس إلى أرضٍ جديدة، بل إلى عدمٍ خصب، إلى فراغٍ قادرٍ على الحمل.
ثم تبدأ تصفيةُ الزمن، لا عدًّا هادئًا، بل نزفًا بطيئًا من وريدِ العمر: “مرَّت الأيام ومضت سنيني / كنتُ أحصيها / تعدَّت الخمسين”. الفعلُ “أُحصيها” ليس تسليةَ عابري السبيل، بل هو طقسُ تعذيبٍ ذاتيّ، عمليةُ تحويلِ الزمنِ المجرَّد إلى ندوبٍ معدودة. الخمسون عامًا هنا ليست رقمًا بيانيًّا، بل هي أرشيفُ الاحتراق. “كبرتُ / هرمتُ / عانيتُ من الأوهام” – لاحظُوا التدرُّجَ المقطعيَّ الحادّ، كأنَّ اللغةَ نفسها تَشيخُ وتَنحني، وكأنَّ كلَّ كلمةٍ تمثِّلُ عقدًا من الجسدِ تآكَل، وعقدًا من الروحِ تيبَّس. والأوهام ليست مرضًا، بل هي اليقينُ الوحيدُ في مملكةِ الانتظار؛ إنها المحرّكُ الذي يَصوغُ للحبيبِ الغائبِ جسدًا بديلًا، ويُديمُ حرارتَه ضدَّ برودةِ الغياب. حتى “صدى الأنين” ليس صوتًا أجوف، بل هو الدليلُ الوحيدُ على أنَّ الذاتَ ما زالت على قيدِ الألم، وما زال الألمُ قادرًا على الكلام.
ثمَّ يحدثُ الانقلابُ المذهل: “حملتُ حلمي / وجبتُ به بلادَ الأغراب”. الانتظارُ، في العمق، هو رحلةٌ بطوليّةٌ مضادّة، ليست قعودًا على أعتابِ النوافذ، بل تطوافًا محمومًا في منافي الأرض. المفارقةُ القاسيةُ أنَّ الذاتَ حملتْ حلمَها كما يُحمَلُ الصليب، أو كما تُحمَلُ الجمرةُ في الكفّ، وجابتْ به “بلادَ الأغراب” – والمفردةُ بصيغةِ الجمع “أغراب” توحي بأنَّ العالمَ كلَّه غربةٌ داخلَ غربة، منفًى متعدِّدُ الطبقات. لكنَّ المفاجأةَ الكبرى تنفلتُ كالسرّ: “وطيفُ حبيبي كان يرافقني / وما وجَّه لي لومًا ولا عتاب”. الغائبُ، الذي باعدتْه المسافاتُ وأكلَته السنون، يتحوَّلُ إلى مرافقٍ صامتٍ أشدَّ حنوًّا من كلِّ حاضر. الصمتُ بينهما ليس فراغًا، بل لغةُ تفاهمٍ سرّيّ، والغيابُ نفسُه صارَ شكلاً من الرعاية. إنَّ العتابَ، الذي هو ممارسةُ العاشقينَ الأصحّاء، ينتفي هنا، لأنَّ العلاقةَ تجاوزتْ طورَ الاتّهام إلى طورِ الفهمِ المطلق: كلانا ضحيّةُ القدرِ نفسِه، فلا لومَ ولا عتاب.
ثمَّ يَبلغُ النصُّ ذروةَ تكثيفِه الفلسفيّ حين ينهارُ الجدارُ بين الذاتِ والموضوع، بين النائمِ والحلم، بين الأنا والآخر: “تعبتُ / غفوتُ للحظات / فإذا بي أراه مبتسمًا / جالسًا بين الأهداب”. الانتقالُ من “تراءى لي من خلف الضباب” إلى “جالسًا بين الأهداب” ليس مجرَّدَ اقترابٍ بصريّ، بل هو انزياحٌ ميتافيزيقيٌّ كامل. الحبيبُ صارَ مقيمًا في الجسد، في عضوِ الإبصارِ ذاته، وكأنَّ الرؤيةَ لم تَعُدْ ممكنةً إلّا من خلالِه؛ صارَ هو العينَ التي تُبصِرُ بها الذاتُ العالمَ، وصارَ العالمُ كلُّه مشدودًا إلى إطارِ حضورِه. الغفوةُ هنا هي الحالةُ القصوى من الوعي، وليسَ غيابه، إنها لحظةُ الحقيقةِ التي لا تُمنَحُ إلّا لمن تخلَّى عن سطوةِ اليقظة.
وعند الصحو، نبلغُ أعمقَ طبقاتِ السؤال الأنطولوجي: “لم أعرف إن كنتُ أنا من ناديته / أم أنَّ الحبيب كسر صمتي”. تتلاشى حدودُ الذاتِ الفاعلة، ويتحوَّلُ السؤالُ عن مصدرِ الفعلِ إلى سؤالٍ معلَّق، لا يحتاجُ جوابًا لأنَّ في تعليقِه نشوةَ الامّحاء. أن أفقدَ القدرةَ على تمييزِ صوتي من صوتِه يعني أنَّ الوحدةَ بلغتْ منتهاها، وصارَ الاتّحادُ واقعًا صوفيًّا لا مجازًا شعريًّا. ثمَّ يأتي النداءُ: “ها قد جئتك بأمرٍ من الله / فافرحْ وانسَ عذابَك / ولوعةَ انتظارِك / يا أغلى الأحباب”. الأمرُ الإلهيُّ هنا ليسَ تدخُّلًا خارجيًّا، بل هو اعترافٌ كونيٌّ بجدارةِ الانتظار، شهادةٌ بأنَّ الزمنَ الطويلَ لم يذهبْ سُدًى، بل كان طقسَ تطهيرٍ واستحقاق. “انسَ عذابك” ليستْ دعوةً للنسيان، بل هي قدرةٌ ممنوحةٌ من السماءِ على طيِّ الزمنِ كصفحةٍ أُحرِقَتْ، وإعادةِ ضبطِ الروحِ على الصفر.
الختامُ ليس هبةَ ذاتٍ، بل تتويجٌ ملحميّ: “منحتُ الحبيبَ عقلي وفكري وروحي وقلبي” – ها هنا هبةٌ كليّةٌ لا تَستبقي شيئًا، إنَّها تصفيةُ الذاتِ تصفيةً، ولكنْ في ازدهارٍ لا في اضمحلال، لأنَّ الممنوحَ لا يُفقَدُ بل يتضاعف. وأمّا الجملةُ الأخيرة: “وطوَّقتُ عالمَه بحدودٍ رسمتُها بروائعَ من حبّي”، فهي أكثرُ من خاتمة، إنَّها بيانٌ عن الخلقِ العكسيّ، حيث تُصبِحُ الذاتُ المانحةُ خالِقةً لعالمٍ بديل، حدودُه ليست الجغرافيا ولا الجدران، بل “روائعُ من حبّي”. الحبُّ صارَ هو الحدَّ، هو السياجَ، هو الوطنَ الوحيدَ الذي لا تُرى أسوارُه. في مملكةِ الانتظار، الزمنُ كان عدوًّا والمسافةُ كانت سِجنًا، أمّا في مملكةِ الحبِّ المتجسِّد، فالزمنُ انطوى كحُلُمٍ، والمسافةُ انمحَتْ كسراب، ولم يَعُدْ من وجودٍ حقيقيٍّ إلّا حبٌّ يَخلقُ حدودَه من ذاته، ويُقيمُ عالمَه على أنقاضِ غيابٍ دامَ نصفَ قرن.
طه دخل
البعنه == الجليل
2/08/2026