
ساموك البيت إنه صوت القادم من بعيد البعيد
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري
ساموك البيت..إنه صوت قادم من البعيد البعيد.. من تلك الأيام التي كانت القلوب فيها أوسع من البيوت وكانت البيوت أدفأ من المواقد. صوتٌ لا يزال يهمس لنا بأن الذكريات الجميلة لا تموت
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
ما إن تقع العين على هذا الخشب العتيق حتى ينهض من أعماق الذاكرة صوتٌ قديم كأنّه خارج من زمنٍ آخر.. صوت ساموك البيت ذلك الجزء الصامت الذي لم يكن يوماً مجرد خشبة تحمل سقفاً بل كان شاهداً على حكايات العمر كلّه.
يقف هناك كما يقف شيخ القرية عند مفترق الدروب متكئاً على سنواته الطويلة يحمل فوق كتفيه ثقل الشتاءات والعواصف ويحفظ في أليافه أسرار من مرّوا من هنا.
كم سمع ضحكات الأطفال وهم يركضون حفاةً في باحة الدار وكم شهد عودة الفلاحين عند الغروب وقد علقت على ثيابهم رائحة التراب والقمح وعرق التعب النبيل.
ومن ذلك المسمار الصغير المعلق عليه القفّة تتدلى حكاية أخرى. قفّةٌ كانت تعود من السوق مثقلةً بالخيرات أحياناً وبالقليل أحياناً أخرى لكنها كانت دائماً تحمل معها بركة الرضا.
كانت الأمهات يعلقنها هناك فتفوح منها رائحة الخبز الساخن والتين اليابس والزيتون المكبوس وكأنها خزانة صغيرة لذاكرة البيت.
ساموك البيت لا يتكلم لكنه يهمس لمن يعرف لغة الأشياء القديمة. يقول لنا إن البيوت لم تكن تُبنى بالحجارة والخشب فقط .. بل بالمحبة أيضاً. وإن السقوف كانت ترتفع فوق رؤوس أهلها بفضل التآلف لا بفضل الأعمدة وحدها. ويقول لنا إن الزمن الجميل لم يكن زمناً خالياً من التعب بل كان زمناً يعرف فيه الناس قيمة التعب وقيمة الفرح بعده.
وحين يهب نسيم المساء على هذه الأخشاب المعتقة يخال المرء أنه يسمع أصوات الراحلين ما زالت تدور في المكان صوت الجدة وهي تنادي أبناءها إلى العشاء وصوت الجد وهو يروي حكايات الشتاء الطويلة وصوت موقد الحطب وهو يغني أغنيته الأبدية في ليالي كانون الباردة
إنه صوت قادم من البعيد البعيد.. من تلك الأيام التي كانت القلوب فيها أوسع من البيوت وكانت البيوت أدفأ من المواقد. صوتٌ لا يزال يهمس لنا بأن الذكريات الجميلة لا تموت بل تختبئ في ساموك بيتٍ قديم وفي قفّة معلقة على خشبة عتيقة تنتظر من يمرّ بها ليوقظها من سباتها ويعيدها للحياة.
عاشق أوغاريت.. غسان القيّم.







