
اصمت ياقلبي حتى الصباح
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم آثار أكاديمي| سوري
اصمت..
هكذا همستُ لقلبي ذات فجرٍ حزين كأنني كاهن أوغاريتي عجوز يقف على عتبة معبدٍ مهجور يراقب آخر نجمةٍ تنطفئ فوق جبل صفون بينما البحر يخبئ أنينه في أعماقه كي لا يزيد وجع العالم وجعاً.
اصمت يا قلبي..
فليست كل الأزمنة جديرة بالبوح وليست كل الآذان قادرة على سماع النبض حين يتكلم. هناك أيامٌ يصبح فيها الكلام غريباً بين الناس وتغدو الكلمات طيوراً تائهة تبحث عن غصنٍ آمن فلا تجد إلا الرماد.
لقد امتلأ الفضاء بما يكفي من الصراخ حتى أثقلته رائحة الخسارات. تشبعت الرياح بحكايات الراحلين وازدحمت الطرقات بخطوات الذين مضوا ولم يعودوا. فما الذي سيضيفه أنين قلبٍ آخر إلى هذا الضجيج العظيم؟
اصمت يا قلبي حتى الصباح…
فالأرض تعرف كيف تحفظ أسرارها في الظلام. والبذور لا تعلن عن ولادتها وهي تنشق في باطن التراب والينابيع لا تصرخ وهي تجمع قطراتها في الأعماق وحتى الشمس نفسها لا تتعجل الظهور بل تنتظر موعدها خلف الأفق بصبرٍ مهيب.
وفي أوغاريت العظيمة قبل اكثر من ثلاثة ٱلاف عام غبرت حين كانت الليالي تهبط على المعابد والقصور والحقول كان الحكماء يعلمون أن للصمت مواسم كما للكلام مواسم وأن القلب المتعب لا يحتاج دائماً إلى من يسمعه بل يحتاج أحياناً إلى فسحةٍ من السكون يرمم فيها شقوقه بعيداً عن أعين العالم.
لذلك اصمت يا قلبي..
لا لأن وجعك قليل بل لأنه أكبر من أن تحمله الكلمات.
اصمت حتى يبرد الرماد وحتى تستعيد الريح نقاءها وحتى يتعلم الفضاء من جديد كيف يصغي إلى أنفاس الأحياء بدل أن يظل مثقلاً بأصداء الخراب.
وعندما يطلع الصباح من وراء جبل صفون وتغسل الشمس وجه البحر وتنهض السنابل من ندى الليل عندها تكلم إن شئت.
تكلم لا بصوت الجراح بل بصوت الحياة التي انتصرت عليها.
أما الآن.
فاجلس مثل لوحٍ أوغاريتي دافئ خرج تواً من المعبد يحمل في أعماقه ترتيلة لم تُقرأ بعد ويعرف أن أجمل الكلمات هي تلك التي نضجت طويلاً في صمت القلب.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎







