
مملكة أوغاريت عندما تحدثت نصوصها عن بؤس الإنسان!
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم آثار أكاديمي | سوري
***************************************
ترقد اليوم مدينة أوغاريت الآثرية كأنها أسطورة نامت بين خرائبها وما زالت تهمس لنا من حين لآخر بحكاياتها..
اوغاريت هذه المدينة العظيمة لم تكن مجرد مدينة عادية عابرة في التأريخ بل كانت روحاً تنبض بالفكر ومهدًا للكتابة وصوتاً للإنسانية في لحظات التأمل بل وحتى في لحظات اليأس..
لقد بدأ الإنسان في تلك الأرض العريقة يدوّن صوته لأول مرة على ألواح الطين حين كان العالم لا يزال يستيقظ على وعيه الأول. وقبل أن تُعرف الكتابة كأداة للتأريخ والتوثيق كان الناس يحكون القصص يتناقلون الأمثال ويتوارثون الحكمة عبر الألسن لا الصفحات. ولكن أوغاريت تلك الحاضرة التي سبقت زمانها ما لبثت أن انتقلت من الشفاه إلى الأقلام أو بالأحرى إلى أقلام القصب التي حفرت على الطين رموزها الأبجدية المسمارية لتسجل بها أفكارًا بحجم الحياة نفسها.
في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وتحديدًا في عهد الملك “نقماد الثاني”، ذاك الحاكم المثقف الذي أدرك مبكرًا أهمية الكلمة أُمر بتدوين الموروث الديني والميثولوجي لسكان المدينة. فظهرت نصوص مذهلة لا توثق فقط أساطير الآلهة بل تسبر أغوار النفس البشرية بأفراحها القليلة وأحزانها الكثيرة.
ومن بين تلك الألواح العتيقة عُثر على نصّ غريب مكتوب على ثلاث نسخ كأنها واجب مدرسي في صف للإنشاء الأدبي. يبدو أن ثلاثة طلاب أوغاريتيين كُلّفوا بمهمة صعبة.. أن يناقشوا معنى الوجود الإنساني وأن يستندوا في ذلك إلى أمثال وحكم كانت تتردد في زمانهم. فجاء النص كمرآة لروحٍ قلقة تنظر إلى الحياة بعينٍ مثقلة بالتساؤل والخذلان.
اقرأ هذا المقطع، وستشعر أن الزمان قد توقف:
“لبعد السماء لا تدركها اليد.
لعمق غور الأرض لا يدركها أحد.
الحياة كلها عماء.
بؤس وبؤس البؤس.
حياة بلا نور فماذا تزيد على الموت؟
مقابل سعادة يوم.. هناك 365 يوماً من الدموع والحزن.
ها هي السنة تجري وفيها ألف علّة وعلّة..
الناس ما يفعلونه لا يعلمونه بأنفسهم.
معنى أيامهم ولياليهم كامن عند الآلهة.”
ما هذا؟! أهو درس في الحكمة؟ أم صرخة يأس؟ أم هو تأمل إنساني مبكر في كونٍ لم يمنح الإنسان سوى القليل من الفرح والكثير من الغموض؟..
إنها كلمات تكشف أن الإنسان منذ آلاف السنين لم يكن غافلًا عن هشاشته أمام هذا الوجود. في أوغاريت كان الفتى الذي يتعلم الكتابة لا يحفظ فقط أسماء الملوك والآلهة بل يُطلب منه أن يتأمل في معنى الألم وأن يتساءل: ما فائدة الحياة إن كانت بلا نور؟ وماذا نصنع إذا كانت أفراحنا عابرة وأحزاننا دائمة؟
لكن الغريب أن هذا التشاؤم لم يكن دليلاً على ضعف الحضارة بل على عمقها. فعندما يصل الإنسان إلى درجة من الوعي تجعله يتأمل مصيره ويشكك في سعادته فإنه يكون قد بلغ مرحلة متقدمة من النضج الفكري.
وهكذا تُدهشنا أوغاريت حتى اليوم. تدهشنا بأبجديتها، بأساطيرها بحكمتها.. بل حتى ببؤسها. لأن البؤس هنا ليس انكسارًا بل حالة من الإدراك العميق.
ولعل من يريد أن يفهم أوغاريت حقًا، لا يكفيه أن يقرأ نصوصها. بل عليه أن يزورها.. أن يمشي بين أنقاض قصورها ويقف أمام معابدها ويتخيل تلاميذها الصغار وهم ينقشون على الطين أولى محاولاتهم لفهم العالم. عندها فقط سيدخل معها في علاقة عشقٍ أبدية لا تنتهي فصولها.
نعم.. حكمة أوغاريت وإن كانت مشوبة بالحزن ستظل خالدة. لأنها كانت ببساطة صادقة. ولأنها رغم كل التشاؤم كانت تضيء دروب المعرفة في ظلام الزمان.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة بعدسني بوابة اوغاريت الحصن المحصن عندما تشرق شمس الصباحات الجميلة







