الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في السابع والعشرين من أيلول من كل عام لا نحتفل بالسياحة بوصفها رحلة عابرة بين الأمكنة بل بوصفها رحلة أعمق في روح الإنسان. ففي كل طريق قديم وكل حجر صقلته الأزمنة وكل نافذة تطل على بحر أو جبل أو سهل تكمن حكاية تنتظر من يصغي إليها.
السياحة ليست عدّاداً للمسافات بل مقياساً لما نكتشفه من جمال العالم وجمال الإنسان. هي تلك اللحظة التي يقف فيها الزائر أمام أثر عتيق فيشعر أن الزمن لم ينقطع يوماً وأن الذين مروا من هنا قبل آلاف السنين ما زالوا يتركون على الجدران شيئاً من أصواتهم وأحلامهم وصلواتهم.
وفي سورية حيث تعانق الشمس زرقة البحر. وحيث تتكئ الجبال على ذاكرة الأرض تبدو السياحة أشبه بقراءة كتاب مفتوح كتبت صفحاته حضارات متعاقبة. هنا لا تروي الحجارة قصة الملوك وحدهم بل قصة الإنسان البسيط أيضاً ..الفلاح الذي زرع حقله والبحّار الذي أطلق شراع نحو الأفق والحرفي الذي ترك بصمته على قطعة فخار أو نقش حجري ليقول للأجيال القادمة: لقد كنت هنا.
وحين تطأ الأقدام أرض أوغاريت أو تسير بين أعمدة تدمر أو تعبر أزقة المدن العتيقة فإنك لا تزور مكاناً فحسب بل تدخل في حوار صامت مع الذاكرة. هناك بين عبق التراب القديم ورائحة البحر تشعر أن الحضارة ليست أطلالاً من الماضي بل نبضاً ما زال يسكن المكان وينتظر من يكتشفه.
أذكر دائماً أن الحضارات العظيمة لم تُبنَ بالسيوف وحدها بل بفضول الإنسان وشغفه بالمعرفة واكتشاف الآخر. ومن هنا كانت السياحة جسراً للمحبة والتعارف ونافذة يرى الناس من خلالها وجوههم المختلفة في مرآة الإنسانية الواحدة.
في أوغاريت، المدينة التي علمت العالم واحداً من أقدم الأبجديات ما زالت الرياح القادمة من البحر تمر بين الحجارة القديمة كأنها تحمل رسائل لم تنته قراءتها بعد. وما زال جبل صفون يراقب الساحل كما كان يفعل منذ آلاف السنين شاهداً على سفن جاءت ورحلت وعلى بشر اختلفت لغاتهم وألوانهم لكنهم تشاركوا الحلم ذاته: أن يتركوا أثراً جميلاً في هذه الحياة.
لذلك فإن حماية التراث ليست واجباً ثقافياً فحسب بل وفاءٌ لذاكرة الإنسان. فكل موقع أثري يُصان وكل معلم تاريخي يُحفظ هو صفحة إضافية ننقذها من كتاب البشرية الكبير.
وفي يوم السياحة العالمي لعل أجمل ما يمكن أن نتذكره أن الأماكن لا تصبح عظيمة بحجارتها وحدها بل بالمعاني التي تحملها. وأن الرحلة الحقيقية ليست تلك التي تقودنا إلى مكان جديد فحسب بل تلك التي تجعلنا نعود أكثر قرباً من تاريخنا وأكثر فهماً للآخر وأكثر إيماناً بأن الإنسان مهما تباعدت به الدروب يبقى ابن حكاية واحدة كتبتها الأرض منذ فجر الحضارة.
وما أجمل أن نصغي إلى تلك الحكاية وهي تُروى كل يوم على لسان حجرٍ قديم أو موجة بحر أو درجٍ عتيق يقودنا إلى مدينة ما زالت تنبض بالحياة في ذاكرة الزمن.. مدينة اسمها أوغاريت
.
عاشق أوغاريت .. غسان القيّم