البيت الطيني في الساحل السوري :ذاكرة حجر وتراب

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي|سوري
*******************************************
في قرًى ساحلنا السوري الجميل التي تغفو على حضن الجبل وتستفيق على نسيم البحر بيوتٌ من طينٍ وخشبٍ، لا يرفعها الحديد ولا تزينها الزخارف..بل تعمّدها عرق الفلاح وتكاتف الأيادي.
في تلك القرى الساحلية الوادعة لم يكن بناء البيت الطيني شأناً فردياً بل كان موسماً من المواسم تماماً كالحصاد والقطاف. حين يحين وقت التطيين أو إعادة الترميم مع اقتراب الشتاء يجتمع الرجال والنساء كباراً وصغاراً يحملون الماء والتبن والتراب ويبدأون العمل بضحكة القلب وروح الجماعة.
ذاك البيت وإن كان متواضع الشكل عظيم المعنى. كان سقفه الخشبي يظلّل الجد والحفيد، ويجمع بين الأجيال الثلاثة في حضنٍ واحد ودفءٍ واحد. يشهد ليالي السمر، وأحاديث الفجر، وأصوات المواويل الحزينة والمفرحة.
هو ذاته، كان شاهداً على قسوة الحياة وضيق اليد حين كان الفلاح في قرى الساحل السوري يكدّ ويتعب ولا يجد إلا ما يسدّ رمقه. ومع ذلك بقي البيت الطيني واقفاً لا ينهار إلا إذا انهار السند بين الناس.
وحين يُنجز البيت ويقف شامخاً بطينته وسقفه يقيم صاحبه وليمة فرح لكل من ساعده عبارة عن طعام بسيط لكنه من القلب تتبعه سلال التين أو ما تيسّر من خيرات الأرض. لم يكن البناء حجارة تُرص بل أرواح تتآلف.
لكن، آهٍ يا زمن.. يقف البيت الطيني اليوم على حافة الذاكرة. تنهشه مخالب الإسمنت والحديد وتزاحمه أشكال العمارة الحديثة التي لا تُشبه الأرض ولا أهلها. القرية ذاتها تلك التي كانت تنبض بأصوات الحياة الريفية بدأت تخفت وتبهت شيئاً فشيئاً.
لم يعد هناك من يطين الجدران ولا من يجتمع مع الجار لصنع بيتٍ جديد. صار البيت الطيني رمزاً ماضياً لا يُذكر إلا في الأغاني والأمثال وحكايات الكبار.
حتى الأطفال ما عادوا يعرفون معنى أن يُبنى البيت من تراب الأرض ولا طعم أن تجتمع عليه الأيادي كما يجتمع النحل على زهرة.
ذلك البيت الذي ظلّ لقرونٍ نموذجاً وحيداً للعمارة في قرانا الجبلية تراجعت شمسه وبدأت تغرب ببطء. لكنه لم يمت بعد. لا يزال في ذاكرة من عاشه وفي قلب من حمله وفي نبض التراث الذي لن يُمحى بسهولة.
فلعلّ من يقرأ هذه الكلمات يتذكّر أن الطين لا يُدفن بل يُخلّد.

عاشق اوغاريت.. غسان القيّم