أوغاريت .. قمح الخلود ورسائل الجوع من بلاد الأناضول في أواخر عصر البرونز الحديث حين يهمس التاريخ من الواح الطين

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي|سوري
******************************************
في قلب الساحل السوري الجميل وتحديدًا على أطراف تل رأس الشمرة نهضت مدينة أوغاريت من باطن التاريخ كإحدى أبهى حواضر الشرق القديم..التي لم تكن مجرد مدينة مزدهرة أو محطة تجارية على طريق البحر بل كانت روحًا نابضة بالحياة عرفت أسرار الزراعة وتاجرت بالحرف واللغة وغذّت إمبراطوريات بأكملها عندما شحّت السنابل وذبلت الحقول.
من بين آلاف الرقم الفخارية التي اكتشفها علماء الآثار في قصور ومكتبات أوغاريت في السنوات السايقة تبرز مجموعة من النصوص التي تسلط الضوء على دور هذه المدينة العظيم في إمداد مناطق واسعة من بلاد الأناضول بالحبوب خاصة القمح والشعير. هذه الحقيقة على الرغم من أهميتها لم تنل ما تستحقه من اهتمام الباحثين وكأنها تفصيلة ثانوية في سجل مدينة عريقة بينما هي في جوهرها شهادة دامغة على دور مملكة أوغاريت الإنساني والحضاري في مواجهة الكوارث..في ذلك الزمن الغابر
في إحدى هذه الرسائل التي ما زالت تحتفظ بنبض الاستغاثة في طينها نجد الملك الحثي يكتب إلى ملك أوغاريت دون أن يُذكر اسمه مطالبًا إياه بالانتباه لشحنة حبوب قادمة من أرض موكيش. هذه الحبوب كانت مقررة للإرسال إلى قلب الإمبراطورية الحثية “خاتي”، عبر مدينة “أورا” الواقعة في مدينة كيليكية السورية والتي يبدو أنها كانت ميناء استراتيجيًا في زمن الأزمات. الرسالة لم تكن عادية فقد وصفت الشحنة بأنها “عاجلة جدًا” و”مسألة حياة أو موت” ما يعكس حجم المجاعة التي كانت تضرب الأناضول آنذاك وربما أيضًا تعكس بداية النهاية لإحدى أعظم إمبراطوريات الشرق الأدنى.في نهاية 1200قبل الميلاد.
وسط هذا المشهد المضطرب لعبت أوغاريت دور الميناء المنفتح لا بوصفها مجرد محطة تجارية بل مركزًا لتنسيق وتوزيع المعونات الغذائية من داخل سورية إلى مناطق الأناضول المنكوبة مرورًا بالممرات الجبلية الوعرة في سلسلة طوروس. ويبدو أن هذا الدور لم يكن مرتجلًا بل ممنهجًا، تؤكده رسالة أخرى موجّهة إلى ملك أوغاريت يُعتقد أنها من شخصية تدعى “BGN” أحد كبار وجهاء الدولة الحثية وفيها يطلب ترتيب إرسال شحنات غذائية إلى أماكن متعددة عبر تلك الممرات الجبلية.
ورغم أن اسم الملك الأوغاريتي المعني لم يُذكر في هذه النصوص إلا أن سياقها الزمني وارتباطها بفترة تردي الأوضاع الدولية يعزز الاعتقاد بأنها تعود إلى أواخر حكم الملك “عمورابي” آخر ملوك أوغاريت الذي شهدت مملكته زلازل السياسة والمجاعة والغزوات مع اقتراب نهاية العصر البرونزي، وبروز ما يُعرف بشعوب البحر التي لا تزال حقيقتهم التاريخية موضع جدل حتى اليوم.
لكن ما لا يقبل الجدل هو أن أوغاريت حتى في أصعب لحظات التاريخ لم تنكفئ على نفسها. لم تغلق موانئها ولم تدفن غلالها. بل كانت يدها ممدودة تغذي الملهوف وتستجيب لصوت النداء من خلف الجبال والبحار.
هذه هي سورية… كانت دائمًا أرض بعل وأرض القمح وأرض السلام. أرضٌ إذا هطل عليها المطر نبت فيها قمح الخلود.
وها هي أوغاريت لا تزال حية تنبض في كل فلاح يحرث أرضه في كل حبة قمح تنتظر السنابل وفي كل رسالة استغاثة كُتبت يومًا على الطين لتشهد أن هذه الأرض لم تكن يومًا إلا وطنًا للعطاء.
.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
****************************************
الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الأثرية يظهر فيها القصر الملكي ومنازل سكانها وشوارعها..