
قراءة نقدية في خماسية ( دفن الذات إلى رؤية الأفق) للقاصة الهام عيسى بقلم الناقدة سعيدة بركاتي
سعيدة بركاتي كاتبة وناقدة وفنانة تشكيلية /تونس
قراءة نقدية في خماسية “دفن الذات إلى رؤية الأفق”: بين الصلح المرير و الحصن الأخير للقاصة إلهام عيسى/ سوريا
تمهيد
لا تقرأ هذه الخماسية كخمس ققج متفرقة ، بل كفصول متلاحقة من سيرة واحدة : سيرة ذات في مواجهة “المفارقة بين الواقع و الخيال” . إنها رحلة من الانكسار إلى النهوض ، من دفن الذات الواهمة إلى رؤية الأفق . عنوانها الضمني يأتي على شكل سؤال : كيف ننجو حين يصبح الواقع قاسياً و الخيال ضرورة ؟
القراءة :
_ دفن الذات القصة الأولى :
“راهن على أرضه؛ فالسّيادة لا تُستعار ساعة الحاجة. تشبّث بتاريخٍ حفظ ملامحه ونسي أن يعيشها. أدار وجهه نحو الجهات كلّها، وحين لمح الإشارة الأولى، اختار أن يدفن ذاته.”
انطلاقا من العنوان :
العنوان وحده بيان” إيديولوجي” . أتساءل لماذا لم تقل القاصة “موت الذات” و لا “انتحار الذات” ، بل قالت “دفن”.
الموت قد يحدث … الدفن فعل تقوم به أنت ، بيديك : و هذا هو الفارق الأخلاقي في الققج كلها
فالعنوان يبدأ بالقطع : “دفن الذات” يوحي بأن الذات أصبحت جثة / جثة ثقيلة / متعفنة من كثرة ما حملت من أوهام و شعارات و هموم و معاناة … عدم إمكانية الإصلاح و الترميم ، فالحل الوحيد المناسب هو مواراتها التراب و دفنها .
وهذا ليس يأساً / فهو أعلى درجات الشجاعة : الشجاع لا يقتل عدوه فقط ، بل يقتل نسخته ” الفاسدة ” من ” ذاته ” .
“راهن على أرضه ؛ فالسيادة لا تُستعار ساعة الحاجة.”
هنا تسقط كل خطابات الاستنجاد / السيادة في نص القصة ليست وثيقة قانونية و لا شعاراً يُرفع و ينادى به : فهي فعل مادي : أن تزرع / أن تبني/ أن تحرس . من لا يملك الأرض سيستعير سيادته من الآخرين خاصة وقت الأزمات .
فالرهان هنا ضد المقامرة ، كيف ؟ المقامر يراهن على حظ الآخرين / صاحب الأرض يراهن على ما يملك .
“تشبّث بتاريخٍ حفظ ملامحه ونسي أن يعيشها.”
هذه هي الجملة المحورية / و هي نقد جراحي لما أسميه “متلازمة المتحف”.
نحن حفظنا شكل التاريخ : العمامة / السيف / الخطبة/ النشيد/ لكننا لم نحفظ فعله : الاجتهاد/ التصنيع / المخاطرة / القيادة/ حولنا التاريخ من منهج عمل إلى” ديكور ” : نعلقه على الجدران لنتذكر من كنا ، حتى لا نسأل أنفسنا لماذا لم نعد كذلك . هو تشبث الطفل بصورة أبيه بعد أن مات الأب.
“أدار وجهه نحو الجهات كلّها، و حين لمح الإشارة الأولى ، اختار أن يدفن ذاته .”
عملية الالتفات نحو الجهات كلها هو لحظة التيه الكامل : شرقاً و غرباً بحثاً عن منقذ . و الإشارة الأولى ليست معجزة خارجية ، هي الإدراك الداخلي : لا أحد قادم .
هنا يصبح الدفن صلحاً مريراً ، لأنه اعتراف بالفشل ، و صلح لأنه سيوقف النزيف . أن تدفن ذاتك القديمة المثقلة بالانتظار و التبعية و الفخر المجاني ، هو الشرط الوحيد لولادة ذات جديدة لا تنتظر الإشارة ، بل تصنعها .
نلاحظ التكثيف الذي بنته القاصة هو ثلاثية للتحول :
أزمة هوية /حفظ الملامح ونسيان العيش// أزمة سيادة /استعارة السيادة // قرار وجودي /الدفن الاختياري .
فما دفن لم يمت عبثاً بل أصبح سماداً للأرض .
فخلاصته : قرار القطيعة مع الوهم .
_ بسامير القصة الثانية :
“امتلأت الشاشات بالصور. طبّلوا، هلّلوا، وفتحوا للجموع طريقاً مفروشاً بالورود. وحين اندفع السالكون، كانت مسامير الحديد تُدقّ تحت خطواتهم.”
بسامير: من الأنس المعجمي إلى الفخ الوجودي : سيميائية الوردة التي تُدقّ
و انطلاقا من العتبة :
1. المستوى المعجمي: ما هو المسمار؟
المعاجم العربية تعرّف المسمار بأنه أداة تثبيت : “دبوس معدني حاد الشكل ، عادة من الصلب ، و تستخدم المسامير لأغراض متخصصة” و في معجم آخر “ما يُصْنَعُ من حديد و نحوه وأحد طرفيه سنّ و الآخر ذو رأس، يُدقّ في الخشب و غيره للتثبيت” و يجمع على “مَسَامِير”.
و كلمة “بسامير” هي الصيغة العامية الدارجة في العراق و الخليج لنفس الأداة ، ناتجة عن قلب الميم باءً .
2. المستوى الثقافي: مسمار جحا كرمز للخديعة
المرجع الثقافي الحاسم هو مثل “مسمار جحا”. وجاء في معجم الغني : “مِسْمَارُ جُحَا : إشارة إلى قصة جحا الذي باع الدار و احتفظ بملكية المسمار و أصبح المثل يعني استحواذ الجزء على الكل ” .
و قصته كما ترويها المصادر : جحا باع بيته واشترط أن يترك مسماراً في الحائط، ثم أصبح يدخل البيت كل يوم بحجة الاطمئنان على مسماره حتى اضطر المشتري للهرب و ترك البيت. المثل يضرب في “اتخاذ الحجة الضعيفة للوصول إلى الهدف حتى و لو كان بالباطل” .
و هذا بالضبط ما تفعله الشاشات في القصة : تبيعك البيت المفروش بالورود و تحتفظ بمسمار جحا تحته .
3. المستوى السيميائي : لماذا العنوان هو الفخ الأول ؟
في القصة القصيرة جداً ، العنوان ليس زينة. الدراسات السيميائية تؤكد أن الكاتب “لم يختر عناوينه بشكل اعتباطي، بل أعمل فكره وتحرى الدقة اللغوية لتكون عناوينه بهذا الشكل من الشفافية لتعكس مضامين القصص” .
و يذهب النقد إلى أن العنوان “بمثابة البوابة الأولى التي تضيء للناقد طريقه في سبيل الدخول إلى عالم النص” و أنه “يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص و دراسته”.
لذلك اختيار “بسامير” بالعامية المألوفة في العنوان ثم “مسامير الحديد” بالفصحى القاسية في المتن هو تطبيق دقيق لهذه الوظيفة الإغرائية للعنوان . العنوان يغري و يطمئن ، و المتن يصدم و يدمي . العنوان هو الوردة ، و المتن هو المسمار .
الخلاصة الموحدة:
القاموس أعطانا تعريف الأداة ، و المثل الشعبي أعطانا وظيفة الخديعة ، و السيميائية أعطتنا وظيفة العنوان كفخ .
من لم يدق مسمار القطيعة على نعش ذاته القديمة كما في “دفن الذات”، ستُدقّ عليه مسامير جحا الجديدة تحت ستار الورود : اكشاف زيف الخيال الجماعي .
_ غيوم القصة الثالثة :
“انقشع الضباب. تراجعت غيوم العتمة فانكشفت الأرض. لملم شتاته، جمع أشلاءه، نثر دموعه وزرع روحه. وحين أفاق المكان، ارتفعت آلاف النخيل مثقلةً بما صبر عليه.”
أولاً: ماذا حدث قبل أن يبدأ الفعل ؟ انقشع الضباب .
هذه ليست بداية عادية ، هذه لحظة كشف . في القصة القصيرة جداً نسميها لحظة التنوير ، اللحظة التي تنكشف فيها الحقيقة دفعة واحدة . كل ما قبلها كان عتمة . السؤال هنا : هل الأرض كانت غائبة ؟ لا ، كانت موجودة لكن العتمة حجبتها . إذن الكشف ليس خلقاً جديداً ، بل إزاحة للوهم .
فإذا انكشفت الأرض ، ماذا سيفعل السارد بها ؟
ثانياً: كيف ينهض الإنسان من شتاته ؟
هنا تأتي رباعية النهوض التي أشارت إليها القاصة بذكاء : لملم/ جمع/ نثر/زرع .
هل لاحظت أيها المتلقي التدرج ؟
لملم شتاته ؟ هذا احتواء . كأن الذات كانت مبعثرة في كل مكان.
جمع أشلاءه؟ هذا ترميم . لم يعد احتواءً معنوياً فقط ، بل جمع مادي لما تكسر .
لكن هل يكفي أن يجمع الإنسان نفسه ؟ ماذا سيفعل بألمه؟
ثالثاً : كيف يتحول الحزن من عبء إلى بذرة ؟
هنا الاستعارة الأهم التي توقفت القاصة عندها : “نثر دموعه و زرع روحه”
لماذا لم تقل “بكى”؟ لو بكى لبقينا في الخاطرة . الققج لا تبكي ، الققج تحول البكاء إلى فعل زراعي .
هل الدموع ماء ؟ نعم ، لكن هنا صارت بذرا ، و هل الروح تُزرع ؟ نعم، حين يصبح الإنسان هو نفسه البذرة .
السؤال الذي يفتحه هذا السطر : هل الحزن نهاية أم بداية ؟ في نص القصة هو بداية الزراعة.
فإذا زرع روحه ، ماذا ستكون النتيجة ؟ هل ستنبت شجرة واحدة له وحده ؟
رابعا : لماذا لم تكن النتيجة شجرة واحدة بل “آلاف النخيل “؟
“وحين أفاق المكان، ارتفعت آلاف النخيل مثقلةً بما صبر عليه.”
هذه هي القفلة التي تحول الخاص إلى العام . الفعل كان فردياً “لملم /جمع / زرع” لكن الحصاد جماعي مكاني “أفاق المكان” .
لماذا النخيل تحديداً ؟
لأن النخلة في مخيالنا هي رمز الصبر و الجذر و الشموخ و التعمير . نقول “اصبر كصبر النخيل” و “كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعاً يُرمى بصخر فيُلقي أطيب الثمر”. النخلة هي الأم الثانية التي تعطي دون مقابل .
فالسؤال الأخير الذي يغلق الدائرة : أين صار الحصن الآن ؟
في القصتين السابقتين كان الحصن في السماء ، في الغيوم . هنا الحصن نزل إلى الأرض . لم يعد هروباً في الخيال ، صار جذراً مغروساً . الخيال نفسه تحول من هروب إلى طاقة خلق .
الخلاصة التي تقودنا إليها الأسئلة :
من الانقشاع إلى الارتفاع ، القصة ترسم قوساً كاملاً : من السلب إلى الفعل ، من الدمعة إلى البذرة ، من الذات الواحدة إلى آلاف النخيل . زراعة الذات من رمادها .
نسيج القصة الرابعة :
“انقطعت الحبال الخفيّة. وضع حدّاً فاصلاً بين الموت والحياة. وحين خرجت الحقيقة من عتمتها، أخذ ينسج من خيوط أخرى تحفاً صغيرة، يستريح فوقها سالكو درب الشوكة.”
من القطع إلى النسج إلى العطاء
1. عتبة العنوان: من القطع إلى العطاء
العنوان ليس تلخيصا ، بل هو أطروحة . القاصة لم تقل “القطع و العطاء”، بل قالت “من… إلى”، أي أنها ترسم مساراً زمنياً .
القطع فعل حاد ، عنيف . و العطاء فعل ممتد ، هادئ . العنوان يخبرنا أن القصة ليست عن لحظة الانفصال فقط ، بل عن ما بعدها .
فهل يمكن أن يوجد عطاء حقيقي دون قطع سابق ؟ و هل كل قطع يقود بالضرورة إلى العطاء ، أم أن هناك قطعاً ينتهي في العدم ؟
2. الحبال الخفية :
“انقطعت الحبال الخفيّة .”
افتتاحية مكثفة بصيغة المبني للمجهول . لا نعرف من قطعها . كأنها انقطعت من فرط اهترائها ، أو بفعل داخلي .
هذه الحبال الخفية ليست قيوداً مادية . هي التبعية العاطفية ، الوهم ” الأيديولوجي ” ، عقدة المنقذ ، انتظار الخلاص من الخارج . هي الأوهام و التعلقات التي ننسجها حول ذواتنا .
قطعها هو فعل خلق للذات . لا يمكن نسج نسيج جديد فوق نسيج قديم فاسد .
فما هي طبيعة هذه الحبال في تجربتنا ؟ أهي أشخاص ، أم أفكار ، أم صورة ذاتية زائفة نسجناها عن أنفسنا لنرضي الآخرين ؟
3. الحد الفاصل: لحظة الموت الرمزي
“وضع حدّاً فاصلاً بين الموت والحياة.”
هذه الجملة هي قلب القصة . هي لحظة القرار الوجودي . ليست فاصلة بين ماضٍ و مستقبل ، بل بين موت و حياة .
هنا نحن أمام مرحلة يكون فيها الإنسان لا ميتاً و لا حياً ، لا منتمياً للقديم و لا للجديد . وضع الحد هو فعل سيادي . الإنسان يصبح ذاته حين يضع حداً لسردية الآخرين عنه ويبدأ سرديته الخاصة .
القطع وحده لا يكفي . الكثيرون يقطعون و يبقون معلقين في الفراغ . القطع فعل تطهير ، لكنه يترك فراغاً قاتلاً إن لم يُملأ .
يراودني هذا السؤال : لماذا يفشل الكثيرون بعد القطع ؟ هل لأنهم اعتقدوا أن القطع هو النهاية ، بينما هو في الحقيقة مجرد بداية ؟
“وحين خرجت الحقيقة من عتمتها، أخذ ينسج من خيوط أخرى تحفاً صغيرة”
هذا هو التحول الجمالي المهم . الفعل تغير من “انقطعت” السلبي إلى “ينسج” الإيجابي .
البطل لا ينكر خيوطه القديمة الممزقة ، بل يأتي بخيوط أخرى ، خبرة جديدة / وعي جديد / ألم تم تحويله : هو فن تحويل الكسر إلى جمال ، و تحويل الطاقة الناتجة عن الجرح إلى إنتاج رمزي .
“تحفاً صغيرة” ليست قصوراً . هو لا يبني إمبراطورية ، بل يصنع شيئاً صغيراً ، متقناً ، صادقاً. و هذا من شروط القصة القصيرة جداً نفسها : التكثيف .
الحقيقة التي خرجت من عتمتها هي شرط النسج . لا نسج دون انكشاف .
فما هي الخيوط الأخرى التي نملكها جميعاً ولا نراها إلا بعد القطع ؟ هل الألم نفسه يمكن أن يصبح خيطاً ؟
“يستريح فوقها سالكو درب الشوكة.”
هذه قفلة عبقرية تنقل القصة من مستوى العلاج الذاتي إلى مستوى الرسالة الإنسانية. هنا يتجلى الانتقال من الأنا إلى النحن .
لو انتهت القصة عند “ينسج تحفاً” لكانت قصة نرجسية عن التعافي الفردي . لكن هذه الإضافة تجعلها قصة إنسانية بامتياز . البطل لم ينسج لنفسه ” سريراً ” ، بل نسج استراحات للآخرين . من يمشي في درب الشوكة ، و هو رمز لدرب المعاناة و الاختبار ، يحتاج إلى استراحة .
من يجد معنى لمعاناته ، يحول معاناته إلى عطاء للآخرين . جرحه يصبح جسراً .
و هنا يتحقق العنوان : الخيال يتحول من حصن شخصي أحتمي به من العالم ، إلى مشروع إنساني أفرش به الطريق للعالم .
فيأتي السؤال الختامي و سأتركه مفتوحا : هل نحن نسجنا بعد ؟ أم أننا ما زلنا نحتفل بفعل القطع و نعيش في نشوة وضع الحد الفاصل دون أن نبدأ مرحلة النسج الحقيقية ؟
_ رصد القصة الخامسة :
ترجّل عن نفسه.
خرج يبحث عن رغيف، وخيمة تقاوم الشمس، وغطاء لا يخذله في الشتاء.
أذّن للسكون، وصلّى بالأمنيات.
ثم ذبح خوفه قرباناً للحياة، فرأى الأفق للمرة الأولى.
القصة كانها سلم جملها لا بد ان ننزلها درجة درجة فلنقرأها طبقة طبقة :
_ “ترجّل عن نفسه” : البداية ليست حركة في المكان بل سقوط من علو .
القاصة لم تقل نزل عن فرسه ، عن منصبه ، عن مدينته… قالت عن نفسه . النفس هنا مطية . و هذا عين ما يسميه الصوفية التجريد : أن تخلع الأنا كما تخلع معطفك . ابن عربي يسميها “موت الإرادة قبل موت الجسد”، والنفّري يقول “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ، و كلما خلعت نفسك لبست الوجود”.
لماذا يبدأ بالترجل ؟ لأنك لا تستطيع أن تبحث عن رغيف و أنت فوق برج كبريائك . الرغيف لا يُرى من فوق ، يُشم من الأرض
سؤال يراود المتلقي هنا : عن أي نفس ترجّل هو ؟ عن النفس التي صنعها الناس له ، أم النفس التي صنعها هو ليتحمل الناس ؟
_ “خرج يبحث عن رغيف ، و خيمة تقاوم الشمس ، و غطاء لا يخذله في الشتاء” : العودة إلى هرم ماسلو المقلوب .
بعد التجرد ، لا يطلب قصراً ولا خلوداً : ثلاثية من : بطن/سقف/دفء. هذا هو الإنسان الحافي كما عرّفه أبراهام ماسلو في قاعدة هرم الحاجات .
لاحظ التدرج : رغيف للحظة/ خيمة للنهار /غطاء لليل و الشتاء : كأنه يعيد بناء الزمن : حاضر / مستقبل قريب / مستقبل بعيد . و الأهم : “خيمة تقاوم الشمس” لا “تقهر الشمس”. هو لا يريد أن ينتصر على الطبيعة بعد الآن ، يريد فقط أن يقاومها . تواضع ” العائد من الحرب ” . فلماذا الخيمة و ليس البيت ؟ هل لأن الخيمة مؤقتة و تذكره أنه عابر ، أم لأنها الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يُدفن فيه ؟
_ “أذّن للسكون، وصلّى بالأمنيات” :
هنا ذروة الانقلاب اللغوي. الأذان في الأصل نداء للناس للصلاة . هو أذّن للسكون . أي جعل السكون هو الجماعة التي يدعوها . السكون لم يعد فراغاً ، صار كائناً يسمع .
و صلّى بالأمنيات. الأمنيات عادة هشة و معلقة لعلها تجد بابا مفتوحا في السماء و تتحقق . لكنه جعلها سجادة صلاة . هذا ما يسميه فيكتور فرانكل في “الإنسان يبحث عن معنى” تحويل المعاناة إلى طقس . عندما تفقد كل شيء ، تصبح أمنيتك البسيطة عبادة .
هذا الفعلان يمنحان المشهد بعده الروحي : الجوع الجسدي يحتاج رغيفاً ، لكن جوع الروح بعد الخوف يحتاج أذاناً داخلياً .
فهل السكون الذي أذّن له هو السكون الخارجي بعد القصف ، أم السكون الداخلي الذي لم يذقه منذ سنوات لأنه كان يركض ؟
“ثم ذبح خوفه قرباناً للحياة”:
في كل القرابين القديمة ، تذبح شيئاً ثميناً لتحيا . سيدنا إبراهيم عليه السلام كاد يذبح ابنه اسماعيل عليه السلام . هنا يذبح خوفه .
الخوف هنا ليس شعوراً ، هو الكبش الذي كان يربيه في داخله لسنوات . الخوف كان يحميه ، كان يبرر بقاءه مدفوناً ، بل كان بمثابة هويته . و لهذا ذبحه مؤلم ، هذا هو “الصلح المرير الحقيقي” كما ذكرت اعلاه : أن تتصالح مع الحياة بأن تقتل الحارس الذي كان يحرس موتك .
كيركجارد يقول في “مفهوم القلق” : الخوف لا يُهزم بالشجاعة ، بل يُذبح بأن تتجاوزه نحو الإيمان . و هي نفس بنية الآية : “فإذا خفت عليه فألقيه في اليم” فإلقاء الخوف نفسه هو النجاة .لم يقل “تغلب على خوفه” . التغلب يُبقي الخوف حياً و مهزوماً في الزاوية . الذبح ينهيه / قربان .
سؤال يطرح نفسه : إذا ذبح خوفه للحياة ، فهل الحياة التي ستأتي بعده تستحق هذا الدم ؟ و ماذا لو اكتشف أن الخوف كان آخر ما يملكه ؟
“فرأى الأفق للمرة الأولى” : الخاتمة ليست نهاية ، هي ولادة بصر . لم ير الأفق من قبل لأنه كان ينظر إلى الداخل ، إلى حفرته ، إلى حذائه ، إلى سقف الخيمة ؛ فالخائف لا يرى الأفق ، يرى الجدار . المتكبر لا يرى الأفق ، يرى نفسه .
“للمرة الأولى” تعني أن كل ما رآه قبلاً كان مشهداً خداعاً . الآن فقط ، و هو حافٍ ، جائع ، دون خوف ، أصبحت عينه على ارتفاع الأرض تماما ، و هذا هو الارتفاع الوحيد الذي يُرى منه الأفق كاملاً .
هذه هي العودة إلى البدائي و الإنساني التي أشرت إليها : الإنسان البدائي لا يملك إلا الأفق . و الإنسان الحديث يملك كل شيء إلا الأفق .
كإستنتاج اول قبل الحوصلة العامة :
الخماسية إذاً ليست قصة نجاة ، بل طقس عكسي : ترجّل/ تجرّد / أذّن / صلّى /ذبح / فرأى/ من الأنا إلى الأفق
فهل يوجد خيط يربط الخماسية بين أحداثها و ما ورد فيها من تكثيف ؟
من يقرأ الخماسية سيلاحظ هذا ” القوس السردي الموحد بينها ” :
الدفن الاختياري // كشف الزيف // الزرع من الرماد // النسج للآخر // ذبح الخوف و رؤية الأفق
فالتكثيف في الخاسية يتحقق بثلاث أدوات رئيسة :
_ حذف السببية: لا يقول “لذلك” بل يضع صورتين : ورود/مسامير ، عتمة/انقشاع . فينفجر المعنى في ذهن المتلقي
_ الفعل الجارح : “دفن / دقّ/ لملم / نسج / ذبح”. كل فعل قصة .
الاستعارة : “نثر دموعه”/ “ذبح خوفه”/ تقريبا مجاز واحد .
في أسلوبها و ما اعتمدته من لغة ، كعادتها في هذا الجنس الأدبي، تبدع القاصة إلهام عيسى في :
_ الشعرية المكثفة : سجع داخلي “لملم شتاته ، جمع أشلاءه” و إيقاع “طبّلوا// هلّلوا”.
_الثنائيات : تاريخ/حاضر ، ورود/مسامير ، موت/حياة ، فرد/جمع . هذه هي المفارقة التي نعيشها جميعاً .
_ الرمزية العربية : الأرض / النخيل/ النسيج/ الرغيف /الخيمة . رموز من الواقع تتحول إلى دلالات وجودية .
_ الانتقال : من “ذاته” إلى “آلاف النخيل” إلى “سالكو درب الشوكة” . الأزمة بدأت فردية و انتهت جماعيًا .
#حزم_ القراءة _و_الحوصلة_العامة:
يتضح جليا مما تقدم أن الخماسية ليست خمس ققج متجاورة بل مسار تطهيري واحد ينتقل من موت الذات إلى ولادة الرؤية. حيث تبدأ بالدفن الاختياري كفعل تأسيسي لإخلاء الأرض من سرد تاريخي متآكل ، ثم يتبعه كشف الزيف حيث تسقط أقنعة الورود التي تتحول إلى مسامير و الطبول ظون أفراح ، فينكشف التناقض بين الخطاب و الواقع . و من رحم هذا الانكشاف لا تأتي المعجزة بل يأتي العمل البدائي في مقام الزرع من الرماد ، حيث تتحول الدموع إلى بذور و الشتات إلى حقل ، فتتحول الاستعارة من جارحة إلى شافية . و لأن الأزمة التي بدأت فردية لا يمكن أن تُحل فرديا ، ينتقل المسار إلى مقام النسج للآخر ، حيث يصبح النسيج نقيضا للدفن ، و الذات التي دفنت نفسها تنسج الآن لآلاف النخيل و سالكي درب الشوكة ، فتتحول المحنة الشخصية إلى مشروع جماعي . و تبلغ الخماسية ذروتها في مقام التجرد و ذبح الخوف ، حيث تعود الحاجات إلى حدها ” الأنثروبولوجي الأول ” : رغيف و خيمة و غطاء ، و يتحول الداخل إلى طقس “أذن للسكون و صلى بالأمنيات” ، ثم يقدم القربان الأخير الذي لا يطلبه المجتمع و هو ذبح الخوف نفسه قربانا للحياة . عندها فقط يأتي الفعل الوحيد غير الإرادي في السلسلة كلها “فرأى الأفق للمرة الأولى” ، فتتحقق الإجابة الضمنية عن سؤال الواقع و الخيال الذي ورد أعلاه : الخيال كان في البداية هروبا يباع ، و في الوسط صار عملا ينسج ، و في الخاتمة صار أفقا يرى ، و النجاة لم تكن في اختيار أحدهما بل في عبور الواقع حتى قاعه ليصبح الخيال أخيرا حصنا للرؤية لا للهروب .

#المراجع :
https://ar.wikipedia.org/wiki/مسما
https://www.arabehome.com
https://ar.wikipedia.org/wiki/مسمار_جحا
https://jana.ps
https://alroya.om/post/أشواق-مباغتة-سيميائية-العنوان-وشعرية-القصة-القصيرة-جدا
https://ar.wikipedia.org/wiki/قصة_قصيرة
https://www.diwanalarab.com/القصة-القصيرة-جدا-جنس-أدبي-جديد
https://kitabat.com/التناص-في-القصة-القصيرة-جدا/
https://mahmoudqahtan.com/الفرق-بين-القصة-القصيرة-والرواية/
https://alantologia.com/blogs/119856/هكذا-أنصتت-الكتابة-وحدها-لنداء-النخيل/
https://www.alsaa.net/
https://medium.com/
https://alroya.om/
https://fr.wikipedia.org/wiki/Paratexte
https://fr.wikipedia.org/wiki/Complexe_%28psychologie%29
https://fr.wikipedia.org/wiki/Le_Plaisir_du_texte
https://en.wikipedia.org/wiki/Liminality
https://fr.wikipedia.org/wiki/Temps_et_R%C3%A9cit
https://fr.wikipedia.org/wiki/Sublimation_%28psychanalyse%29
https://en.wikipedia.org/wiki/Man%27s_Search_for_Meaning
https://en.wikipedia.org/wiki/Kintsugi
https://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3367_تفسير-ابن-عربي-ابن-العربي-ج-١/الصفحة_102
https://www.simplypsychology.org/maslow.html
https://quran.com/ar/quraysh:4/tafsirs
https://en.wikipedia.org/wiki/Man%27s_Search_for_Meaning
https://db1.thecrucible.org/Kierkegaard%20The%20Concept%20Of%20Anxiety







